لأنني أومن بأن القدر هو الذي يحدد مسارات حياة البشر، لم أعتقد، ولو للحظة واحدة، أن الصدفة كان لها دور في تغيير مكان مدرستي الأولى، بعد تصدع مبناها بفعل أمواج البحر التي كانت تقتحم الحاجز الصخري وتضرب جدرانها. كنت في المرحلة الابتدائية عندما انتقلت مدرستنا من "بيت بن حافظ" في فريج "عيال ناصر"، إلى مبنى المدرسة "الأحمدية" القديم في منطقة "الرّاس" في "ديرة"، ليتغير طريق الذهاب من البيت إلى المدرسة والعودة إليه في فريج "الضغاية"، ويجدّ في حياتي جديد.

ولأنني أعتقد أن كل شيء في هذه الحياة مرسوم بدقة، لم أعتقد أيضاً أن موقع "الأحمدية" القريب من "مكتبة دبي العامة" كان صدفة بحتة هو الآخر، لذلك عندما قادتني قدماي للمرة الأولى إلى المكتبة العامة ذات يوم دراسي أثناء الفسحة، شعرت بأن طاقة القدر قد انفتحت لي لتضعني أمام بوابة عالم هائل من المعرفة، كي أنهل من هذا الكم الكبير من المجلات والكتب التي رأيتها أمامي. صحيح أن صغر سني كان يفرض عليّ أن أختار ما يناسبني منها، لكن هذا لم يقلل من حجم الفرح الذي غمرني بعد أول زيارة قمت بها للمكتبة مع مجموعة من زملاء الدراسة.

كان مناخ تلك الفترة مشجعاً على القراءة، إذ كانت وسائل التسلية محدودة جداً، لا تكفي لشغل مساحة الفراغ التي يجدها طالبُ تلك الأيام أمامه، بعد الانتهاء من حل الواجبات المدرسية، أو خلال الإجازة الصيفية. لذلك وجدت نفسي منغمساً في جو القراءة ذاك..

حيث أتاحت لي المكتبة العامة استعارة بعض الكتب التي كان من الصعب عليّ اقتناؤها، إما لارتفاع ثمنها، أو لعدم توفرها، أو لمحدودية عدد المكتبات الخاصة في تلك المرحلة من الزمن. ولم تكن "المكتبة العامة" وقتها مجرد مكتبة،...

وإنما كانت مركز إشعاع ثقافي وحضاري، تقام فيها المحاضرات التي كنت أحرص على حضورها عندما أصبحت في سن تسمح لي بحضور مثل هذه الأنشطة المسائية، والتغيب عن البيت إلى وقت كان يُعتبَر متأخراً في تلك الأيام، وإن لم يكن يتجاوز موعد صلاة العشاء عادة.

شريط طويل من الذكريات استعدته بعد عقود من الزمن، باعدت بيني وبين أول مكتبة عامة رأيتها في حياتي، عندما رُشِّحت، قبل أعوام قليلة، لأن أكون عضواً في لجنة تحكيم جائزة للقصة القصيرة والخطابة، نظمتها إدارة المكتبات العامة التي كانت تتبع بلدية دبي وقتها، لطلاب وطالبات مدارس دبي الصغار.

لم أعتقد أن الصدفة كان لها دور هذه المرة أيضاً، عندما علمت أن اللجنة سوف تجري مقابلاتها للطلبة في المكتبة العامة التي بدأت حكايتي معها في مرحلة مبكرة من الطفولة، لأعود إليها بعد كل هذه السنوات عضو لجنة تحكيم بين أطفال كنت ذات يوم في مثل سنهم عندما حملتني قدماي للمرة الأولى إليها، أحمل تطلعات شبيهة بالتي يحملونها اليوم، وأحلم بتحقيق طموحات شبيهة بالتي يحلمون بتحقيقها غداً.

عدت إليها لأرى أطفالاً يتدفقون براءة وحماسة، يشرق الأمل في عيونهم، يطرقون أبواب المستقبل بقوة، ويعطون الحياة طعماً مختلفاً، لم تلوثه بعدُ مشكلُاتها وهمومُها. ساعتها تمنيت لو أستطيع أن أعيد عجلة الزمن إلى الوراء لأعود واحداً منهم، ويومها لم أنشغل بتأمل مجريات ذلك اليوم قدر ما انشغلت باستعادة ذكريات يوم بعيد ما زال ماثلاً أمامي...

وأنا أرى هؤلاء الصغار يعيدون تجميع تلك الصورة البعيدة، ليشرق منها ذلك البريق الذي لم تفقده بمرور الزمن، وتظل تحتل المكانة التي لم تستطع أن تنتزعها منها آلاف الصور التي تكدست في الذاكرة على مدى العمر.

وباكتمال هذا العام، عام 2013، يكون قد مر على تأسيس "مكتبة دبي العامة" نصف قرن من الزمان، حيث كان تأسيسها عام 1963 على يد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه. وعندما احتفلت "هيئة دبي للثقافة والفنون" الأسبوع الماضي باليوبيل الذهبي للمكتبة...

فإنما كانت ترسخ في الذاكرة لحظة التأسيس التي كانت لحظة فارقة في تاريخ إمارة كانت تخطط لأن تكون مركزاً تجارياً، في منطقة تمثل نقطة التقاء بين الشرق والغرب، في زمن مختلف، لم يعرف العالم فيه بعدُ العولمة، ولم تكن فيه قد أنشئت بعدُ منظمة تجارة عالمية....

لكنّ تفكير حاكم دبي وقتها، كان يذهب إلى ما هو أبعد من هذا، ويخطط لأن يكون في قلب منظومة التجارة العالمية، قبل أن تولد منظمتها. في ظل هذا المناخ تأسست مكتبة دبي العامة، لترسل إلى العالم رسالة، مفادها أن "دبي" لا تخطط لأن تكون مركزاً تجارياً ومالياً فقط، ولكنها تهتم بالعقل والفكر والثقافة إلى جانب ذلك، وتسعى لأن تصبح مركز إشعاع ثقافي في المنطقة. ولأنه ليس ثمة ثقافة تتكون وتستمر دون أن يكون الكتاب عمودها الفقري، كان تأسيس "مكتبة دبي العامة" وقتها ضرورياً وملحاً، يقع في صلب مخطط الإمارة، إلى جانب الموانئ والمطارات والأسواق والمراكز التجارية وكل مرافق البنية التحتية.

لهذا فإن دبي حين احتفلت هذا العام بمرور خمسين عاماً على تأسيس مكتبتها العامة الأولى، فإنما كانت تحتفل بخمسين عاماً من انبعاث نور القبس الذي أضاءته قبل نصف قرن من الزمان، لتؤكد الرسالة التي بعثتها في تلك المرحلة، ولتعيد إلى الذاكرة أن دبي إمارة النور الذي لن ينطفئ أبداً، مهما تغير العالم من حولها.