تضمنت الخريطة الجغرافية؛ التي اقترح إيغال آلون إجراء التسوية السياسية للصراع الإسرائيلي العربي على أساسها في أغسطس 1967، أن يكون منتصف البحر الميت هو خط الحدود الإسرائيلية الأردنية.
كما أشارت إلى ضرورة أن تضم إسرائيل قطاعاً عرضه 15 كيلومتراً على طول وادي الأردن حتى البحر الميت، مع إخلائه من السكان العرب. كانت تلك الخطة باكورة تعبيرات إسرائيل الرسمية عن هدف استقطاع منطقة غربي غور الأردن، وابتلاعها في جوف سياستها التوسعية الاستيطانية بعد عدوان 1967.
وللتذكير، فإنه لم يزاحم هذه المنطقة ويفوقها بين يدي الشره التوسعي الإسرائيلي، غداة ذلك العدوان، سوى مدينة القدس. حين عرض مشروعه، كان آلون نائباً لرئيس الوزراء الإسرائيلي. وهو ينتمي إلى جيل الرواد الصهاينة من ذوى الخلفية العسكرية، كان الرجل يؤمن بأن أمن إسرائيل لا يتحقق بالضمانات الدولية ولا حتى بمعاهدات السلام، وإنما بمزيد من الاستيلاء على الأرض؛ التي تصلح كقواعد مميزة للهجوم والدفاع. ويعتقد أن الحدود يجب أن ترتكز على موانع طبيعية، كالأنهار والقنوات والمرتفعات.
ربما فات آلون، وهو يضمر التوسع الاستيطاني، أن نظريته الذرائعية التقليدية حول الأمن المستند إلى موانع طبيعية، كانت قد تقادمت وتم هجرانها نسبياً في الفكر الاستراتيجي العسكري عموماً. وربما انطلق الرجل من قراءة معينة لحال الجبهات العربية؛ التي لم تكن تستحوذ في زمنه، وفقاً لتقديره، على أسلحة صاروخية وقدرات قتالية جوية، تمكنها من إيذاء دولته بشدة رغماً عن الجبال والقنوات والصحارى وما شابه. هذا جائز..
لكن المثير هو أن يأتي بنيامين نتانياهو وبطانته، اليوم وبعد 45 عاماً بالتمام والكمال، ليكرر حرفياً تقريباً معزوفة سلفه آلون بالقول "سوف نبقى في غور الأردن لأنه عمقنا الاستراتيجي". إلى هذا الحد يبتذل رئيس الوزراء الإسرائيلي مفهوم العمق الاستراتيجي لدولته، فيجعل من احتلال مساحة عرضها 15 كيلومتراً شرطاً لا غنى عنه للحفاظ على أمنها.
يحدث هذا في عصر تشيع فيه أسلحة بوسعها مهاجمة إسرائيل وانتهاك أمنها من على بعد مئات الكيلومترات.. عصر تملك فيه مثل هذه الأسلحة، من حول هذه الدولة وعلى مرمى حجر منها، جماعات منظمة، دون أن نتحدث عن جيوش نظامية. وسبق لهذه الجماعات أن فعلت ذلك لأكثر من مرة وفي غير جولة قتالية. لا نعتقد أن نتانياهو غافل تماماً عن محددات الأمن في ضوء المستجدات والحقائق العسكرية والجيوستراتيجية التي تحيط بإسرائيل.
الأرجح أنه وصناع القرار الإسرائيلي منذ زمن آلون إلى ساعتنا هذه، يتحرقون لاستلاب منطقة الغور. وتقول الشواهد إن إخضاع هذه المنطقة للسيطرة الإسرائيلية يمثل واحداً من ثوابت سياساتهم في سياق أي تسوية مع الفلسطينيين، وذلك لأسباب تتخطى بكثير مزاعم المنظور الأمني للدولة.
وأخيراً، سخرت منظمة مجلس الأمن والسلام الإسرائيلية؛ التي تضم ضباطاً في الجيش والاستخبارات، من مقولة إن الانسحاب إلى حدود 1967 هو الذي يعزز أمن إسرائيل "لأن التهديدات التي تواجهها الدولة الآن مغايرة لتلك التي كانت في ذلك العام".. والأهم أن رئيس هذه المنظمة جادي زوهر فند تقديرات نتانياهو تجاه الدور الأمني لمنطقة الغور منتهياً إلى "أن الغور لا يمكن أن يكون عمقاً أمنياً لإسرائيل".
هذه شهادة بعض أهل البيت الأمني الاستراتيجي الإسرائيلي؛ الذين يستلهمون روح العصر.. فما الذي يقصده الإسرائيليون المستميتون لأجل ديمومة احتلال الغور أو في الحد الأدنى استئجاره والهيمنة عليه لنحو أربعين عاماً أو يزيدون؟.. الرأي، أننا إزاء منطقة تحوى نحو 1.6 مليون دونم من أخصب الأراضي الزراعية؛ حتى أنها توصف بسلة غذاء للأردن شرقاً ولفلسطين غرباً.
هذا علاوة على أنها بمواردها المعدنية الغنية وآفاقها السياحية الواعدة، تمثل الاحتياطي الأكبر لتطوير الدولة الفلسطينية العتيدة. والظاهر أنه كلما تأملت إسرائيل في هذه الحقائق، عز عليها تصور إفلات الغور من براثن أطماعها، ولم تجد غير قميص الأمن كتميمة مقدسة تلقيه في وجه الفلسطينيين وغيرهم لإعمائهم عن هذه الأطماع.