كثيرون من أصدقائي الأميركيين، الليبراليين منهم والمستقلين، يتعجبون حين يعرفون أنني ممن يتابعون قناة فوكس نيوز بانتظام. فهم لا يثقون في القناة، ويعتبرونها ليست مهنية بالقدر الكافي لأنها تخلط الرأي بالخبر، فضلا عن إسرافها في التعبير عن توجهها الأيديولوجي اليميني، وانطواء خطابها أحيانا على عنصرية بغيضة، صريحة أو ضمنية.
والحقيقة أنني أحسد أولئك الأصدقاء لأن بإمكانهم تجاهل فوكس، في حين لا يملك المتخصصون من أمثالي ترف ذلك التجاهل. فبحكم التخصص، لا يجوز لي تجاهل قناة تمثل اليمين الأميركي وتتحدث أحيانا باسم الحزب الجمهوري أو باسم قطاعات من جمهوره، فضلا عن أنها تلعب دورا خطيرا في التأثير على السياسة وعلى الرأي العام الأميركي، خصوصا مع نسبة المشاهدة المرتفعة التي تتمتع بها.
ولا أخفي عن القارئ الكريم أنني كثيرا ما أضيق بما تقدمه "فوكس"، خصوصا ما يتعلق بدور أميركا في الخارج وبالمسألة العرقية في أميركا.
فدور أميركا في العالم يأتي في إطار رؤية إمبراطورية، بينما يأتي تناول المسألة العرقية فظا على أحسن تقدير، لا يراعي الأقليات الأميركية عموما. لكن فوكس تفوقت على نفسها الأسبوع الماضي في المسألة العرقية، حين أعربت واحدة من مقدمي البرامج، عن رأي بالغ الفجاجة والعنصرية معا. فميغان كيللي، التي تقدم واحدا من أكثر برامج فوكس الحوارية شهرة وجمهورا هذه الأيام، أعلنت أن شخصية سانتا كلاوس الأسطورية، والمعروفة في بعض بلداننا باسم بابا نويل، رجل بشرته بيضاء.
وأصل الحكاية أن الاحتفال بأعياد الميلاد قد ارتبط دوما بشخصية سانتا كلاوس، التي تضفي البهجة والسرور على نفوس الأطفال. وشكل تلك الشخصية صار معروفا في العالم كله، فهو رجل كبير السن ضخم الجثة ذو لحية بيضاء يرتدى ملابس حمراء.
ويعرف الأطفال أن سانتا كلاوس يعيش في منطقة جليدية في القطب الشمالي، يهبط منها فقط في أعياد الميلاد ليمنح الأطفال الطيبين الهدايا والحلويات. وسانتا كما يعتقد الأطفال، يهبط على المنزل ويضع الهدايا بين ثنايا شجرة عيد الميلاد، فيصحو الأطفال ليجدوا المفاجآت والهدايا التي تدخل البهجة عليهم.
وفي بداية الأسبوع الماضي كانت عايشة هاريس، الكاتبة السوداء، قد نشرت في مجلة "سليت" الأميركية مقالا أعربت فيه عن رأيها بخصوص شخصية سانتا كلاوس. فهي قالت إنه قد آن الأوان لأن نتوقف عن تقديم سانتا كلاوس كرجل أبيض. وحكت قصتها حين كانت طفلة، فهي كانت تشاهد في المدرسة سانتا كلاوس فتجده أبيض البشرة، ثم تعود للبيت فتجده أسود البشرة. حينها سألت والدها عن اللون "الحقيقي" لبشرة الرجل، فأجاب بأن بشرة سانتا لها ألوان كثيرة، فما إن يدخل بيتا إلا وتحول لونه إلى لون أصحاب البيت.

والحقيقة أن تلك إجابة بالغة الذكاء من أب يسعى لحماية طفلته، عبر تكييف المسألة العنصرية بما لا يجرحها. لكن هيهات، فهاريس تقول إنها كانت تذهب لكثير من بيوت أصحابها السود فتجد في بعضها سانتا الأبيض، فصارت في طفولتها تشعر بالخجل لأنها أدركت أن سانتا الأسود ليس هو "سانتا الحقيقي". لذلك، دعت هاريس للتوقف عن الترويج لشخصية سانتا باعتباره رجلا بشرته بيضاء، واقترحت أن يحل محله طائر البطريق المناسب جدا للأطفال، والذي يحبونه ويحبون سائر الطيور والحيوانات في ذلك السن.
وما هي إلا ساعات حتى كانت فوكس نيوز تدير معركة. فدعا برنامج ميغان كيللي عددا من الضيوف لمناقشة مقال هاريس، ثم انتهت الفقرة بميغان موجهة رسالة عبر الكاميرات، قالت فيها "يا كل الأطفال الذين تشاهدوننا، سانتا في الحقيقة أبيض، لكن تلك الكاتبة تريد أن يكون هناك سانتا أسود، وهو ما لم يحدث بالمناسبة"! ثم أضافت ".. والمسيح أيضا أبيض البشرة".
وبغض النظر عما أحدثه خطاب كيللي من استهجان، إلا أن القصة في ذاتها ذات دلالة مهمة. فهي تكشف بوضوح زيف الادعاءات القائلة بأن أميركا تعيش زمن ما بعد العنصرية، فالمجتمع الأميركي لا يزال يعاني هوسا بالمسألة العرقية. والحقيقة أن المسألة العرقية لا تولد مع البشر وإنما تصنع صنعا، فهي عبارة عن بناء اجتماعي يصنعه المجتمع لنفسه. فلون البشرة لا معنى له، إلا إذا أضفى المجتمع عليه معنى اجتماعيا وربطه بالمزايا والحقوق والحريات، ومتى ما تمت صناعة المعنى الاجتماعي، ظهرت العنصرية.
والبناء الاجتماعي للمسألة العرقية، يعني أيضا تشكيل كل هياكل المجتمع ورموزه وأساطيره وفق ذلك البناء. لذلك، تصبح شخصية خرافية مثل سانتا لونها أبيض بالضرورة، والدمية الشهيرة باربي بيضاء بالضرورة هي الأخرى.. وهكذا. وتشكيل الهياكل والرموز لتتناسب مع العرق المتميز، يغذي هو نفسه سيادة ذلك العرق، لأنه يعمق تميزه في اللاوعي لدى كافة العرقيات والإثنيات الأخرى.
اللافت للانتباه أنه حين تتمرد الأقليات لشعورها بالغربة مع تلك الرموز التي لا تمثلهم، يتهمهم العرق المهيمن بالعنصرية أو بإثارتها. وهو بالضبط ما فعلته كيللي، حين وجهت كلامها لهاريس قائلة "كونك لا تشعرين بالراحة تجاه ذلك الرمز، لا يعني أنه ينبغي أن يتغير".
والهوس العنصري يصل إلى حد الحديث بكل ثقة عن لون بشرة المسيح عليه السلام، والإصرار دون دليل على أنه كان "أبيض البشرة".
وأنت إذا تأملت الوضع في عالمنا العربي ستجد أننا نحن العرب، مسلمين ومسيحيين، لم ننشغل بلون بشرة سيدنا عيسى عليه السلام، ولا بلون بشرة أي من الأنبياء، بمن فيهم سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، ليس لأن الإيمان بالأنبياء عندنا يختلف عن الإيمان بهم في الغرب، ولكن لا علاقة له بقوة الإيمان من عدمه. فالإصرار على تحديد لون بشرة السيد المسيح لا علاقة له بالدين ولا بالتدين، وإنما هو ببساطة مسألة تتعلق بعلاقات القوة التي يصنعها المجتمع، فتضفي على لون البشرة معنى.