واشنطن تتجاهل ضحايا الركود

كيف تفسر هذه المفارقة؟ ابتداء من الأول من نوفمبر الماضي، فقد أكثر من 47 مليون أميركي بعض أو كل فوائد كوبونات الغذاء الخاصة بهم، بينما يدفع الجمهوريون في مجلس النواب نحو المزيد من التخفيضات. وإذا لم تتوقف هذه المصادرات، فإن كل شيء آخر يعتمد عليه الفقراء والطبقة العاملة من الأميركيين، سيقلص بشكل أكبر.

ونحن لا نتحدث عن فئة قليلة في أميركا، فنصف الأطفال يحصلون على كوبونات الغذاء خلال فترة معينة من طفولتهم، ويحصل نصف البالغين عليها في الفترة العمرية بين سن 18 و65 سنة.

والعديد من الجهات القائمة بالتشغيل، بما فيها أكبرها وهي شركة "وول مارت"، يدفع القليل جدا، بحيث يتم الاحتياج إلى تلك الكوبونات للحفاظ على إمكانية إطعام عائلات العاملين، في إشارة إلى ضرورة إيجاد أشكال أخرى من المعونة لإبقاء كل هؤلاء يعيشون تحت أسقف بيوتهم.

وتكمن الحقيقية الأكبر في أن معظم الأميركيين لا يزالون يعيشون في الركود العظيم، فمتوسط دخل الأسرة لا يزال في انخفاض. وفي أحدث استطلاع للرأي أجرته صحيفة واشنطن بوست وشبكة أي بي سي نيوز، قدر نحو 75% من المشاركين في الاستطلاع حالة الاقتصاد بـ"السيئة" أو بـ"الفقيرة".

إذن، لماذا تضرب واشنطن شبكات الأمان والخدمات التي يحتاجها قسم كبير من الأميركيين، خاصة ونحن لا نزال نحتاجها بقوة؟

من السهل لوم الجمهوريين وأصحاب المليارات من جناح اليمين الذين يمولونهم، والذين لا يكفون عن شيطنة "الحكومة الكبيرة"، و كذلك العجوزات. ولكن الديمقراطيين أيضا في واشنطن يتحملون جزءا من المسؤولية، ففي نقاش هوة العام المالي الماضي، لم يدفع أي من الحزبين نحو تمديد فترة الإعفاءات الضريبية على الأجور، أو إيجاد طرق أخرى لمساعدة الطبقة العاملة المتوسطة والفقيرة.

وهنا الدليل: أظهر مسح جديد على العائلات في الـ10% الأعلى دخلا في أميركا، أنجزه "مركز أبحاث أميركان أفلونس"، أنهم يشعرون بتحسن في أوضاعهم مقارنة بعام 2007، أي قبل الركود العظيم.

ولا يتوقف الأمر عند أن فئة الـ10% الأعلى، لديها وظائف وأجورها تتزايد، فهي تملك أيضا أكثر من 80% من البورصة التي سجلت مؤخرا، ارتفاعا بأكثر من 24%.

فسوق الأوراق المالية مرتفع، رغم أن وضع معظم الأميركيين متدن، وذلك لسببين؛ الأول أن أصحاب الأعمال منهمكون في تسليم العوائد النقدية إلى المساهمين، عبر إعادة شراء أسهم شركاتهم وبالتالي دعم قيمتها السعرية، بدلا من استخدام السيولة لتوسيع مشاريعهم أو للتوظيف.

فلا معنى لهذه الخطوات الأخيرة، في وقت لا يملك معظم الأميركيين المال للشراء. فمؤشر إعادة الشراء "أس أند بي 500"، الذي يقيس الأسهم المئة ذات النسب الشرائية الأعلى، تصاعدت وتيرته إلى 40% العام الحالي، مقارنة بـ24%، سابقا.

وصادقت شركة "أي بي أم" مؤخرا، على تخصيص مبلغ 15 مليار دولار أميركي إضافي لإعادة شراء الأسهم، إلى جانب تخصيصها مبلغ 5.6 مليارات دولار أميركي قبل ذلك، ما رفع أسعار الأسهم حتى في ظل تباطؤ عمل الشركة.

وكانت شركة "أبل" أعلنت في إبريل الماضي زيادة في عملية شراء الأسهم بقيمة 50 مليار دولار، فضلا عن ارتفاع في توزيعاتها بنسبة 15%. ورغم ذلك لم يكن الأمر كافيا للملياردير كارول إيكهان، الذي يلح الآن على أن تستخدم الشركة مبالغ أكبر من مدخراتها النقدية المقدرة بنحو 170 مليار دولار، لإعادة شراء أسهمها وجعله أكثر ثراء.

الشركات الكبرى تستطيع أيضا الاقتراض بمعدلات فوائد متدنية جدا هذه الأيام، لإعادة شراء أسمهما بكميات أكبر، بسبب تساهل برنامج الاحتياطي الفدرالي لشراء السندات بقيمة 85 مليار دولار في الشهر. أما السبب الرئيسي الثاني الذي يفسر لماذا ترتفع الأسهم الأميركية بينما يعيش معظم الأميركيين في حالة متدنية، فهو أن المؤسسات مستمرة في إيجاد طرق جديدة لإنعاش الأرباح وأسعار الأسهم، وذلك عبر تخفيض تكاليف العمالة باستبدال البرمجيات بها، وخفض المرتبات والفوائد، وتحميل الموظفين المتبقين أعباء أكثر في العمل.

ولا يمكن لأي من هاتين الاستراتيجيتين، سواء إعادة شراء الأسهم أو تقليل الوظائف، أن تدوم على المدى الطويل (لذلك لديك كل الحق في أن تقلق من فقاعة "وول ستريت" أخرى)، فالطريقتان لا تطوران منتجات الشركات أو خدمة العملاء. ولكن في فترة تباطؤ المبيعات، أبقت الاستراتيجيتان المذكورتان حملة الأسهم سعداء، أي بما يعني أنهما أبقتا على طبقة الـ10% الأعلى سعداء. وفي غضون ذلك فإن الكونغرس لا يعرف الكثير عن الـ90%، الباقين. ففئة الـ10% تغطي كل تكاليف الحملات الانتخابية تقريبا، وتمول الإعلانات "المستقلة".

وأكثر من ذلك، فإن أغلب أعضاء الكونغرس ينحدرون من هذه الطبقة، تماما كما ينحدر منها أصدقاؤهم وزملاؤهم، وحتى الإعلاميين الذين يغطونهم إعلاميا. هل فهمت الأمر؟

فئة الـ90% الأدنى دخلا من الأميركيين مختفون من جداول اهتمامات واشنطن الرسمية، وهم الذين لا يزال أغلبهم يعانون من تبعات الركود العظيم، وتنحدر أوضاعهم المادية والاجتماعية منذ عقود. فأغلب الذين يهتم الكونغرس بأمرهم باستمرار، هم من يشكلون فئة الـ10% الأعلى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات