من الأدوار المهمة التي يجب أن تقوم بها المؤسسات الإعلامية، إدارة حوار مجتمعي بين المتخصصين والمعنيين والمهتمين والدراسين وغيرهم، حول واقع نواجهه ومستقبل لا ينتظرنا فقط، ولكن يكشف لنا كل يوم عن تحديات سنواجهها، وهو ما يتطلب أن نكون دائما على جاهزية عالية، بأفكار مبدعة وحلول ابتكارية، تجعلنا نستفيد من واقع لم يكن لنا بد من التعامل معه.
من هنا تأتي أهمية الملتقى الإعلامي الإماراتي في نسخته الأولى، التي لاقت دفعة كبيرة برعاية وحضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله. ورغم أن الملتقى كان ليوم واحد، إلا أنه وضع على طاولة الحوار قضايا جديرة بالمناقشة، منها قضية توطين الإعلام، فضلا عن البداية الموفقة من إشراك الشباب في جلسة حول التجارب الإعلامية الناجحة.
وكان لي شرف المشاركة في إحدى الجلسات التي غلبت عليها الرؤى الاستشرافية حول استخدام الشباب لشبكات التواصل الاجتماعي، والتحديات التي تواجه المشهد الإعلامي الإماراتي، وامتد الحوار ليناقش مدى قدرة وسائل الإعلام التقليدية على الصمود أمام أدوات الإعلام الجديد، وماذا يحمله لها المستقبل؟ وهل تغيرت أنماط الاتصال لدى المتلقي؟ وما هي تداعيات ذلك حاضرا ومستقبلا؟
لقد أصبح الإعلام الجديد واقعا فرض نفسه، لا يمكن تجاهله أو الاستغناء عنه لمن يعمل في مجال الإعلام أو من لا يعمل، ولم يعد الإعلامي هو من يعمل في إحدى المؤسسات، فالأدوات الجديدة أخرجت لنا جيلا جديدا من الإعلاميين الذين أطلق عليهم الصحفي المواطن، الذي قد لا يمتلك نفس المهارات الإعلامية أو الأدوات التكنولوجية التي تتوافر للصحفي المحترف، غير أنه أصبح بمقدوره أن يمارس مهنة الإعلام ويخوض غمارها، ويصبح مصدرا مؤثرا من مصادر الأخبار، وكسر احتكار المؤسسات الإعلامية لصناعة المشهد الإعلامي.
إن جانباً كبيراً من التنشئة الاجتماعية للشباب كانت تتم عبر الحوار الأسري والمؤسسات التعليمية، غير أن هذه الوسائل قد بنت ما يمكن أن نسميه الشخصية الإلكترونية بين الشباب، والتي تعيش في عوالم افتراضيه أكثر من العالم الحقيقي، كما أنها تصنع العالم الخاص بها، والذي قد يختلف عن الواقع المعاش، لنصبح بين واقع حقيقي وواقع مصنوع، وهنا يكون التناقض.
آية ذلك، التقرير الذي صدر عن الشبكة العربية لحقوق الإنسان عام 2009، وذكر أن عدد مستخدمي فيسبوك في العام العربي يبلغ حوالي 12 مليون مستخدم. هذا الرقم ارتفع إلى 28 مليون مستخدم بنهاية ربيع 2011، وفقاً لتقرير كلية دبي للإدارة الحكومية.
وعلى المستوى العالمي تعتبر الإمارات العربية المتحدة أكثر الدول العربية استخداما للفيسبوك كنسبة لعدد السكان، كما أنها ضمن أكثر عشر دول في العالم استخداما للفيسبوك، بنسبة اختراق 45%.
وكشف تقرير صادر عن برنامج الحوكمة والابتكار في كلية دبي للإدارة الحكومية، يحمل عنوان ''تقرير الإعلام الاجتماعي العربي الصادر عام 2012"، عن وجود أكثر من 1.3 مليون مستخدم نشط على موقع ''تويتر'' في العالم العربي، أنتجوا نحو 172 مليون تغريدة في نفس العام.

وأوضح التقرير أن عدد مستخدمي موقع فيسبوك في العالم العربي حتى شهر إبريل 2012، وصل إلى 43 مليونا، مع نمو واضح في استخدام اللغة العربية ضمن وسائل التواصل الاجتماعي، مبينا أن الإمارات تستمر في صدارة الدول العربية من حيث نسبة مستخدمي فيسبوك من عدد السكان، تليها الأردن ولبنان والكويت وتونس. لقد اعتمدت وسائل الإعلام التقليدي في كثير من أشكالها، على نموذج اتصال من جانب واحد أو وحيد الاتجاه من المرسل إلى المتلقي، في غياب رجع الصدى أو تأخره في أحسن الأحوال، واعتمدت على رسالة معدة مسبقة عبر صناعة كبيرة لا يطيق تكلفتها إلا المؤسسات الكبرى.
لكن المتلقي في وسائل الإعلام الجديد، أصبح شريكا في صنع الرسالة الإعلامية. لقد كان السؤال التقليدي حين تعاظم دور وسائل الإعلام هو: ماذا تفعل وسائل الإعلام بالناس؟ على اعتبار أن الجمهور سلبي يقبل بما يتلقاه من رسائل ويتأثر به، إلا أن واقع أدوات الاتصال الآن قد غير هذا المفهوم، باعتبار أن الجمهور وفي مقدمته الشباب، قادر على اختيار مادته وصنع رسالته الإعلامية. وهنا تغير السؤال؛ ماذا يفعل الناس بوسائل الاتصال؟
حيث أصبح كل شخص قادراً على إنشاء مدونته الخاصة، التي يضمنها ما يشاء من المعلومات والأخبار والصور والملفات الصوتية والفيديو، وهو ما طرح سؤالا قديما جديدا: هل وسائل الإعلام التقليدية معرضة للاندثار لتصبح جزءا من التاريخ أم أنها ما زالت قادرة على الصمود واستيعاب التحديات التي فرضها الواقع الاتصالي الجديد؟
ورغم هذا الجدل فإن تاريخ وسائل الاتصال يؤكد أنه لم تكن هناك وسيلة سببا في اختفاء وسيلة أخرى، حينما ظهر التليفزيون لم تختف السينما، بل بحثت عن جوانب لتتميز بها، فكان تطويرها المستمر لجودة الصوت وحجم الشاشة وبيئة المشاهدة، كما أن المسرح استمر، رغم أنه أقدم أدوات الاتصال، لقدرته على التفاعل المباشر مع الجمهور، وفي خضم هذا الحشد من وسائل الإعلام، احتفظ الراديو لنفسه بمكان عبر المجال الإخباري الذي يميزه.
ولأن الأفراد في المجتمع، يلجأون إلى وسائل الاتصال الجماهيرية من أجل مساعدتهم على فهم العالم الذي يعيشون فيه، ومن أجل تسهيل تفاعلهم وتواصلهم اليومي فيه، وكلما زادت الأحداث المحيطة بهؤلاء الأفراد، تعقيداً وغموضاً وتوتراً وتأزماً، كلما زاد اعتمادهم على هذه الوسائل من أجل توضيح هذا الغموض وإزالته، والتعامل مع تلك المخاطر والأزمات، ومن هنا فإن استخدام أدوات الإعلام الجديد، ومنها شبكات التواصل الاجتماعي، سيزيد بمرور الوقت.
وفي تقديري أن السؤال الجدير بالطرح ليس من يقضي على من، ولكن كيف تستطيع وسائل الإعلام التقليدية أن تواجه تحدي الإعلام الجديد ومنها شبكات التواصل الاجتماعي؟ وكيف تستطيع مؤسساتنا التعليمية أن تخرج الإعلامي الذي يملك من المهارات ما يجعله قادرا على التعامل مع هذا الواقع الاتصالي المعقد، دون أن يشعر بالعجز عن مواكبة تطوراته؟. إن العلاقة بين الإعلام الجديد والإعلام التقليدي هي علاقة تكامل، وليست علاقة تنافر، لأن كلا منهما يملك مقومات بقائه الذي سوف يكون بلا شك للأصدق.