تتصاعد درجة سخونة الأوضاع في العراق مع قرب الانتخابات النيابية في أبريل القادم، وتتكثف مع هذا التصاعد الجهود الحثيثة التي يبذلها المستفيدون من العملية السياسية ومن الأطر التي حكمتها على مدى السنوات العشر المنصرمة، بغية إعادة إنتاجها بشخوصها وخوائها وفشلها، موظفين في ذلك كل أداة ممكنة، سواء كانت محلية أو إقليمية، وسط أجواء عنف من المتوقع أن ترتفع وتيرته تدريجياً كلما اقتربنا من موعد الانتخابات، فالمشهد العراقي المصبوغ بالدماء ستزداد درجة احمراره.

الكيانات السياسية التي نزلت إلى الساحة كثيرة العدد، حيث أجازت المفوضية العليا للانتخابات 277 كياناً لخوض هذه الانتخابات. ولكن هذه الكثرة لن تقلل من فرص الفوز لكيانات تجذرت وأصبح لها مكان واسع في العملية السياسية، وتمترست في مواقع القوة في أجهزة الدولة، وامتلكت فوق ذلك القدرات المالية التي لا تترفع عن استغلالها في حملتها الانتخابية...
وذلك بسبب العيوب والثغرات الكبيرة والخطيرة في العملية السياسية. هذه الكيانات لا تزال تمتلك فرصاً واعدة للبقاء في موقع صناعة القرار، على الرغم من أنها تفتقر إلى الوضوح في البرنامج الانتخابي من جهة، وكونها شريكة في العملية السياسية الشوهاء التي أوشكت أن تدمر البلد من جهة أخرى. السؤال الذي يتردد على ألسنة الكثيرين هو؛ من سيصبح رئيساً للوزراء؟ ويمتلك صولجان القوة والنفوذ غير المحدود التي وضعها الدستور بين يديه.
النظام الديمقراطي التقليدي يفرز عادة فريقاً يتولى السلطة وفريقاً آخر يتولى المعارضة، في أطر قوانين وأعراف تترتب عليها ممارسات حضارية يكون فيها الطرفان شريكين في المسؤولية الوطنية للحفاظ على الصالح العام، وذلك لأنهم شركاء في الوطن.
إلا أننا لم نلمس ما يشابه ذلك أو يقترب منه في ما يجري في العراق، فعلى مدى السنوات العشر المنصرمة لم نرَ سوى شركاء في المصالح، ولم نرَ معارضة حقيقية، على الرغم من أن حالة الأوضاع في العراق، على مختلف المستويات، تستغيث وتستصرخ القاصي والداني طلباً للنجدة.
أبرز المؤشرات حول ما هو متوقع في الانتخابات النيابية المقبلة، هو نتائج انتخابات مجالس المحافظات التي أجريت في أبريل المنصرم، وحصدت معظمها الكتل المسيسة دينياً. فقد شهدت تلك الانتخابات صعوداً ملحوظاً لكتلتين هما التيار الصدري والمجلس الأعلى..
وتراجعاً طفيفاً لكتلة دولة القانون التي يترأسها رئيس الوزراء. أما التيار الديمقراطي فقد حصل على أحد عشر مقعداً فقط، من المجموع الكلي البالغ 447، وهي نسبة متواضعة لا تتجاوز 2.5%، علماً بأن هذا التيار يتكون من عدد كبير من الكيانات حديثة التكوين، مما يجعله أقل استقرارية وأقل قدرة على الصمود من الكتل المسيسة دينيا.
إن اعتماد تلك النتائج كمؤشر لتوقع ما هو قادم، والحقيقة أننا لا نمتلك ما هو موضوعي غير ذلك، لا يشجع على توقع تغير ملموس ينقذ العراق من حالة الانحطاط التي تعصف به.
من المحتمل جداً أن يصار إلى استبعاد رئيس الوزراء نوري المالكي عن سدة الحكم، على الرغم من سعيه وكتلته النيابية لتوظيف كل ما يمتلكون من نفوذ داخلي وإقليمي لتأمين الحصول على ولاية رئاسية ثالثة. ولكن ذلك إن تحقق ليس انتصاراً للعراق، فما يحتاجه البلد هو برنامج عمل يحقق الحد الأدنى من الطموح الوطني للنهوض، وأدوات نزيهة وكفؤة لتنفيذه.
هناك الكثير من المحبطات يتجاوز ما هو متوافر من إيجابيات، فهناك وجوه لها حضور سياسي وثقافي وأدبي مؤثر في الساحة العراقية، فضلت حين دخلت المعترك السياسي، لأول مرة أو حين عادت إليه بعد فترة انقطاع، الدخول عبر الانضواء تحت خيمة إحدى القوى المسيسة دينياً أو التحالف معها، على الرغم من أن أفكارها ونمط حياتها تجعلها أكثر قرباً إلى خيمة الليبراليين دعاة الحياة المدنية، وذلك لأنها ارتأت أن فرص الصعود والكسب هي الأرجح في اتخاذ هذا الخيار، وليس خيار الانحياز لمبادئها الحقيقية.
الحالة العراقية مثيرة للحيرة حقاً، وتبدو مستعصية أمام التحليل المنطقي المتعارف عليه، فتاريخ الساحة السياسية العراقية العريقة الحافل بالحراك والرفض والانتفاضات، لا يفسر حالة الخدر والخنوع الحالية. الاستياء من سوء الأوضاع ظاهرة عامة في الأوساط العراقية على شتى ألوانها، يقابلها ما هو مخالف للقانون الطبيعي، وهو الضعف الشديد للمعارضة وتخوفها وحذرها في طرح الشعارات، والتحفظ الواضح لدى قياداتها عند الإدلاء بالتصريحات.
هذه المعارضة لا تطرح غير ما يعرفه كل عراقي، وهو أن محنة العراق تكمن في تكريس العمل بمبدأ رجعي لا يتناسب مع مبادئ الإنسان المتحضر، وهو مبدأ الاصطفاف العرقي والطائفي في الحياة السياسية، الذي أصبح غطاء شرعياً للفساد وداعياً لقوى الإرهاب ومرحباً بها لممارسة أنشطتها الدموية.
هذه المعارضة لم تنجح في توظيف سوء إدارة الدولة والسلبيات التي لا تحصى في العملية السياسية، التي تمارس فيها عمليات منظمة ومدروسة لمسخ الديمقراطية وإعادة إنتاج حكم الفرد، ولم تنجح في توظيفها لصالح تعزيز حضورها السياسي في الانتخابات عبر طرح برنامج وطني حقيقي للنهوض، يعيد للقرار العراقي سيادته ويتمكن من استقطاب الشارع وتحريكه كما حركته في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم.. إنها معارضة على استحياء، لأنها نزعت أسلحة الرفض والاعتراض.
هناك عزوف واضح عن المشاركة في الأنشطة السياسية أو متابعتها، بسبب الإحباط لدى شرائح غير قليلة من الناخبين العراقيين، ومنهم الكثيرون من الواعين بما يجري في الساحة العراقية. هذه الشرائح فقدت الثقة بالحاكم وشركائه وحلفائه ومعارضيه المتحالفين معه...
والمعارضين الآخرين غير المجدية معارضتهم لأنها معارضة على استحياء، يئست من تحسن الأوضاع، وقد تعمد إلى مقاطعة الانتخابات لأنها لا تجد ضالتها بين هذه الكيانات التي رشحت نفسها. هؤلاء قد فرطت فيهم القوى السياسية المعارضة، لأنها لم تنجح في صياغة خطاب ووضع برنامج يكسب ثقتهم ويعيدهم مجدداً للمشاركة من أجل التغيير.
أبريل المقبل فرصة ثالثة للعراق لاستعادة عافيته، فهل يستغلها الناخب أم يهدرها كما فعل في مناسبتين سابقتين؟