التفكير خارج المألوف

الإبداع في القيادة لا يعني الاختيار بين البدائل المطروحة، ولكنه يعني طرح بديل جديد والتفكير دائماً خارج الصندوق، لذا فإن دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى الخلوة الوزارية لتطوير التعليم والصحة عبر العصف الذهني، هي محاولة لتوليد وإنتاج أفكار إبداعية بعيدة عن الرتابة الفكرية التي تصيب العقل بالتكلس.

وأصل كلمة عصف ذهني "حفز أو إثارة أو إمطار للعقل"، فهي تقوم على تصور "حل لمشكلة"، على أنه موقف فيه طرفان يتحدى أحدهما الآخر، العقل البشري (المخ) من جانب، والمشكلة التي تتطلب الحل من جانب آخر. ولا بد للعقل من الالتفاف حول المشكلة والنظر إليها من أكثر من جانب، ومحاولة تطويقها واقتحامها بكل الحيل الممكنة، أما هذه الحيل فتتمثل في الأفكار التي تتولد بنشاط وسرعة تشبه العاصفة.

إن طبيعة العصر الذي نعيشه بخطواته المتسارعة، تحتاج إلى سرعة اتخاذ قرارات حيال العديد من المشكلات التي تواجهنا، مما يتطلب ذهناً يقظاً دائماً. ولا شك أن اللياقة الذهنية كما اللياقة البدنية، تحتاج إلى تدريب متواصل لكي تصل إلى أفضل حالتها، لذا فإن التفكير عبر العصف الذهني هو من أهم أشكال المران العقلي، الذي يخرج بنتائج لا يتوقعها حتى من أتى بها، لأنها جاءت تحت ضغط حالة من الاستنفار الذهني، وهو في أحسن حالات تركيزه بعيداً عن الكثير من المؤثرات المعيقة.

والبديع في الأمر أن الخلوة الوزارية التي دعا إليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، لم تقتصر في عصفها الذهني على الحضور من الوزراء والمسؤولين والخبراء وأصحاب الاختصاص، ولم تقتصر كذلك على الآلاف الذين شاركوا بأفكارهم عبر وسائل التواصل، ولكن هناك أضعافهم ممن تفاعلوا معهم في كل بيت، ودارت حوارات ممتدة حول القضايا ذاتها، وتقليب الحلول حيالها، لترسم لنا صورة شعب لم يعد ينتظر أن تهبط عليه حلول لمشكلاته من غيره، لكنه صاحب القضية وهو من يشارك في حلها، ولن يحك جلدك مثل ظفرك. إنها دعوة شعب للمشاركة في مواجهة قضاياه، فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة.

لقد تعودنا في عالمنا العربي أن حلقات الاتصال ذات اتجاه واحد، وأن المسافة الاتصالية بين الحاكم والشعب أقصر بكثير من المسافة بين الشعب والحاكم، والسياسات التي تسيّر أمور حياة الشعوب ترسم في غرف مغلقة، وتصدر مراسيم التنفيذ في غياب أصحاب الشأن المعنيين بها، وهو أقوى أشكال إهمال أبناء الوطن وعدم الثقة في قدرتهم على التفكر، وكأنهم لا يزالون قصّراً ولم يبلغوا سن الرشد بعد، في الوقت الذي يقال فيه إن كل خطط التنمية هي من أجل الشعوب وهم الضامنون لنجاحها، فكيف توضع ضوابطها في غيابهم، وهو ما جعل الشارع العربي في واد وحكوماته في واد آخر، وساد شعور الغربة بين أبنائه على أرض الوطن.

لكل ذلك فإن تلك الدعوة المقدرة من قيادتنا، هي نهج رشيد يمثل في حقيقته جوهر الديمقراطية التي يتشدق بها الكثيرون دون أن يعرفوها، وهي أكبر صور حقوق الإنسان، بل حقوق الشعوب دون أن يتم وضعها تحت عناوين براقة، لأنها نهج دأبت عليه قيادتنا منذ التأسيس، وهي ليست الأولى لحكومتنا في التعامل مع قضايا الوطن، فقد تم ذلك العصف الذهني في صورته الأولى عام 2007 الذي نعيش اليوم العديد من نتاج أفكاره، فالأعمال العظيمة دائماً تبدأ بفكره، غير أن هناك من يتوقف به الأمر عند حد الفكر، وقليل من هم القادرون على التنفيذ.

وهنا تأتي أهمية مشاركة القيادة لأبناء الوطن في هذه العصف الذهني، وهو درس جديد في الالتحام بين القيادة والشعب، كما أن هذه المشاركة والطواف بين مختلف المجموعات والاستماع إليهم ومناقشتهم، هي في ذاتها دافع لقدح زناد الفكر والخروج بالبديع من الأفكار.

كما أنها رسالة واضحة لا لبس فيها لكل مسؤول، في فن القيادة وأصولها والأسلوب الذي يجب أن يتبناه في التعامل مع ما يطرحونه من فكر، وأهمية أن يشعر كل فرد يعمل معهم أن رأيه مقدر وله وجاهته حتى ولو لم ينفذ، يكفي أنه نال شرف المحاولة، ومن اجتهد وفكر وأخطأ خير ممن استرخى وتواكل وانتظر من يقدم إليه الحلول جاهزة على طبق من فضه، وهو نهج لا يصنع وعياً ولا يبني وطناً، فمن اجتهد ولم يصب هذه المرة ستكون محاولته المقبلة صائبة لأنه تعود على الفكر.. وهي رسالة كذلك بأن الإمارات، وهي تتطلع إلى كل المدارس والتجارب العالمية، لا تتجاهل واقعها لكنها تنصت إلى أهل الدار، فأهل مكة أدرى بشعابها.

كذلك فإن اهتمام المواطنين والمقيمين في الدولة بتلك الدعوة الفريدة، تبين لنا الوجه الآخر لحالة شعب يتفاعل مع قيادته ويلبى حين يكون نداء الوطن، ويعكس إدراك القيادة على التّماس مع القضايا التي تشغل أبناء الشعب.. وهل هناك أهم من قضيتي التعليم والصحة؟ وهل هناك نهضة لأي شعب دون كوادر مؤهلة تلبي حاجات العصر قادرة على المنافسة تبدأ من حيث انتهى غيرهم؟ ثم هل يكون ذلك دون جسم سليم قادر؟ كما أنهما قضيتان متصلتان ببعضهما البعض، لأن تطوير القطاع الصحي والوصول به إلى مستويات رفيعة، لن يتم من دون تعليم حقيقي.

ولأن الإمارات لم تكن يوماً بعيدة عن محيطها العربي، فإن تلك الدعوة قد امتد أثرها إلى خارج حدودنا الوطنية، كما أن الأفكار التي وردت من غير أبناء الإمارات لاقت عناية وترحيباً من القيادة الرشيدة، وهو ما يشير إلى أبهى أشكال الوحدة الفكرية بين أبناء أمتنا العربية، والتي تنتظر من يلم شعثها ويرأب صدعها.

إن وصول عدد الأفكار التي طرحت فيما عرض من مشكلات إلى إحدى وثمانين ألف فكرة، يكشف بجلاء أننا أمة حية تحب كل حبة رمل في هذا الوطن، وأننا قادرون على التغلب على ما يواجهه من تحديات وعلى الحفاظ على مكتسباته.

إن هذه الدعوة تمثل درساً عملياً في حب الوطن وفي البناء وفي كيف تولد أفكار، كما أنها درس في إبداع القيادة والتفكير خارج المألوف.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات