اللعب مع الحياة

قبل أيام عرضت فضائية عربية فيلم «عدّاء الطائرات»، ومع أن هذه ثالث مرة أشاهده فقد جلست أمامه مشدوداً مشدوهاً، هذه عجينة من السحر والمتعة والفن والحب تشبه إكسير الحياة، تبث فيك وهج الشمس، ورحيق الأزهار، وتغريد العصافير، وضوء القمر، وابتسامة الفجر، وغموض الليل، وفيضان النهر، وعمق البحر، تدفعك إلى القفز وربما الطيران والتحليق مع هذه الطائرات الورقية التي تشق عنان السماء في تحدٍ، تطارد بعضها بعضاً في شقاوة.

فعلاً ما أجمل فيلم عدّاء الطائرات الورقية، فيض من المشاعر النبيلة والأفكار الإنسانية التي تنساب كما الطبيعة من حولنا.

وقد يمضي وقت طويل قبل أن تتسلل شخصيات أمير، وحسن، وبابا، وعاصف، إلى غياهب النسيان، وقد لا ننساها أبداً، لأنها لا تتحدث عن نفسها أو نقاط الضعف والقوة فيها، وإنما تتحدث عن الإنسان عامة!

وحكاية هذه الشخصيات تبدأ قبل الاحتلال السوفييتي لأفغانستان عام 1979، وتنتهي مع سيطرة جماعة طالبان على السلطة.. ربع قرن تقريباً متخمة بكل المشاعر والمخاوف الإنسانية. ومن البديع أن نتعرف إلى الدول في صعودها وانكسارها، من خلال حكايات إنسانية بين البشر العاديين، بعيداً عن عالم السياسة الشرس المكدس بالمؤامرات والمصالح الوضيعة والدماء البريئة المسالة.

خيوط متشابكة مثل خيوط الطائرات المتصارعة في السماء، هي التي تربط أمير بـ«حسن»، أمير ابن الرجل الثري بابا، والذي يتعلم في المدارس الأجنبية ويصادق حسن الأمي ابن خادمهم علي، صداقة رائعة بين صبيين فيها تكامل وندية، فأمير جبان خواف لا يقدر على حماية نفسه من أقرانه العدوانيين، وعلى الأخص عاصف، فيهرب من جبنه إلى كتابة القصص والحكايات، أما حسن فهو جريء شجاع يدافع عن نفسه وعن أمير ضد الآخرين.

ويستعرض الفيلم ملامح هذه الصداقة في البيت واللعب والترويح، فالصبيان يهويان الطائرات الورقية والدخول في اشتباكات بها في السماء مع طائرات الآخرين، وحين يسقط أمير أي طائرة لمنافسيه يعدو حسن وراءها ويجلبها له ليحتفظ بها دليلاً على انتصاره. ومن أول لحظة يبدو والد أمير (بابا) في غاية العطف والرقة مع حسن، حتى إن أمير في بعض اللحظات يشعر بالغيرة، ويتصور أن والده لا يحبه بقدر ما يحب حسن.

في تلك الظروف تقع المأساة التي تعكر ماء هذه العلاقة، بل تقطعها بسكين ثلم، حين يعدو حسن خلف طائرة أسقطها أمير، فيتربص به عاصف الأكبر سناً ومعه صديقان، ويضربونه ويغتصبه «عاصف»، بينما أمير يراقب المشهد من بعيد وهو خائف من التدخل، حتى لا يتعرض للضرب والإهانة! وينكسر حسن نفسياً، وينكسر أيضاً أمير.. حسن من الاعتداء عليه، وأمير من جبنه وخوفه.. ينطوي حسن في حجرة الخادم مريضاً، وينطوي أمير في حجرة السيد عاراً!

ويشعر أمير بأنه لا يستطيع أن يعيش مع حسن في بيت واحد، فوجوده يُذكّره بجبنه وعجزه ونذالته، فيدبر له مؤامرة صغيرة، بأن يدس ساعته تحت مخدة حسن ويضبطها عنده.

ويثور والد أمير ثورة عارمة، فهو يرى في السرقة أصل كل الشرور؛ سرقة الحياة بالقتل، سرقة شرف المرأة بالزنا معها.. وهكذا، وينادي على حسن ويسأله أمام أبيه علي: هل سرقت الساعة؟!

ينظر حسن في عيني أمير، فيهرب الأخير بهما بعيداً، فيفهم حسن ما حدث، ويحزن على صاحبه إلى درجة الاعتراف كذباً على نفسه بالسرقة.

لكن الأب السيد يفاجئ أمير بأنه يسامح حسن، لكن الأب الخادم يصر على مغادرة القصر ومعه الابن حسن، في مشهد يمزق نياط القلوب.. نظرة انكسار وأسى في عيني حسن وهو يحمل أمتعته على ظهره وينظر إلى نافذة أمير، وأمير مختف خلف الستائر مشاعره مختلطة بين الخجل والحزن والراحة؛ خجل من مؤامرته، وحزن على فقدان صديقه الوحيد، وراحة بالتخلص من الشاهد على جبنه ونذالته.

وتدخل الدبابات السوفييتية إلى العاصمة كابول، ويفر بابا بابنه أمير إلى الولايات المتحدة مهاجرين من جحيم الشيوعية، ويتخرج أمير في كلية الطب ويتزوج ويؤلف أول رواياته، لكن صورة حسن لا تفارقه، إلى أن تأتي له مكالمة من باكستان، من صديق والده يطلب منه أن يأتي فوراً قائلاً: هناك فرصة أن تكون طيباً مرة أخري.

فيسأله: كيف؟ يجيب: عليك بإنقاذ «سهراب» ابن صديقك القديم حسن من ملجأ وضيع، وقد قُتل حسن وزوجته على يد رجال طالبان.

ويشعر أمير بأن أوان رد الدين قد حان، وأنه لا مفر من مواجهة الحياة بكل أشكالها، فيتسلل إلى أفغانستان المحكومة بالحديد والنار والحرام حسب ما يحدده الطالبانيون، وفعلاً يسترد ابن حسن بعد معاناة رهيبة نال فيها ثمن جبنه القديم مضاعفاً. ساعتان تقريباً من المتعة الخالصة، نتعلم فيهما أن كل جوانب الحياة لا مفر منها؛ فرح وحزن، صعود وسقوط، انتصار وانكسار، حب وكراهية، شجاعة وجبن، قسوة وتسامح.. فقط المهم أن نعيشها بصدق، مهما كان الثمن المدفوع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات