مانديلا.. أسطورة في سجنه وبحريته

ساعات حزينة أعقبت الخبر الذي كان سماعه متوقعاً في الآونة الأخيرة، خبر رحيل نيلسون مانديلا الرئيس السابق لجمهورية جنوب إفريقيا، مساء السادس من ديسمبر الجاري. فقد وقف العالم كله إجلالاً وتهيباً لهذا الخبر، ونكست الدول أعلامها حداداً على رحيل أحد أبرز الشخصيات التي أثرت الحياة بعطائها.

شهدت تلك الساعات استذكاراً لحياة ومواقف إنسان بسيط، أسر قلوب كل العالم لأنه حمل في قلبه وعقله كل الخير لكل الناس، ومن ضمنهم الذين سجنوه سبعاً وعشرين سنة، لأنه كرس كل حياته من أجل مبدأ واحد لا يتعلق بشخصه، بل بقضية الإنسان في كل مكان؛ محاربة الفصل العنصري. فالرئيس مانديلا لم يكن عدواً لأشخاص، بل كان من أشد الأعداء للأنظمة والحكومات التي تضطهد الإنسان عنصرياً وسياسياً واجتماعياً ودينياً.

تحكي حياة الرئيس مانديلا قصة مقاتل في سبيل الحرية، كما هو حال المهاتما غاندي، قصة مقاتل عظيم لم يحمل السلاح ولم يدع للعنف ووقف ضد جميع أنواعه، وكان من أشد أعداء الحروب.. حياته تحكي قصة أشهر سجين سياسي في العالم، أصبح رئيساً منتخباً يحظى بحب واحترام دوليين قل أن حظي غيره بمثلهما.

انخرط مانديلا في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وأصبح من قيادييه ومن أشد الذين تصدوا لحزب "أفريكانا" العنصري، الذي تولى الحكم عام 1948 وكرس سياسة الفصل العنصري لصالح الأقلية البيضاء. لم يكن مانديلا سياسياً بالمعنى التقليدي الذي يُعرف به السياسي، بل كان إنساناً وضعته ظروف بلده الصعبة في مواجهة إنسانيته التي انحاز إليها، على الرغم مما عاناه حينما سلبت أبرز سنوات العطاء من عمره.

في عام 1964 ومن داخل قفص الاتهام، أدلى مانديلا ببيان تاريخي أصبح فيما بعد إحدى أهم وثائق حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وقامت منظمة الأمم المتحدة بطبعه وتوزيعه على نطاق واسع، وكان لهذا البيان أثر عظيم ليس في أوساط الجماهير في جنوب إفريقيا فحسب، بل في جميع أنحاء العالم. وقد أعيد نقل وتوزيع إحدى فقرات هذا البيان مرات عدة وفي مناسبات كثيرة..

حيث لخص فيها مانديلا أهدافه وأهداف حزبه بالقول "لقد كرست حياتي للنضال في سبيل الشعب الإفريقي، ووقفت ضد هيمنة البيض وضد هيمنة السود. لقد عملت على تحقيق مجتمع ديمقراطي مثالي وحر، يعيش فيه جميع الناس معاً في وئام وعلى أساس تكافؤ الفرص. ذلك هو المجتمع المثالي الذي آمل أن يتحقق، وإذا لزم الأمر فأنا على استعداد للموت من أجل ذلك".

لم تستطع سنوات السجن الطويلة أن تغير من مبادئ هذا الإنسان، فخلال حوار له مع السيناتور الأميركي جوزيف بايدن (نائب الرئيس حالياً) في تسعينيات القرن المنصرم، سأله بايدن: كيف يمكنك أن تكون بهذا القدر من التسامح مع سجانيك؟

فرد مانديلا قائلاً: إن هؤلاء السجانين كانوا يقومون بواجبهم ليس إلا، إنهم أصدقائي، فحين أفرج عني اصطفوا لمصافحتي مودعين وهم يتمنون لي النجاح والتوفيق. لم ينس مانديلا صديقه وسجانه جيمس غريغوري، حيث دعاه لحضور حفل افتتاح أول برلمان جنوب إفريقي غير عنصري، كما دعاه لحضور حفل تنصيبه رئيساً لجمهورية جنوب إفريقيا.

ثمة مأثرة مهمة تسجل للرئيس مانديلا، فعلى النقيض من حزب أفريكانا العنصري الذي باشر البدء في تنفيذ برنامج أسلحة تدمير شامل، في الفترة الواقعة بين عامي 1960 - 1980 من القرن المنصرم..

واستطاع صناعة ست قنابل نووية، قام حزب المؤتمر الوطني الإفريقي بزعامة مانديلا عند صعوده للحكم عام 1990، بتغيير المعادلة وقرر تفكيك هذه القنابل ليقدم بذلك درساً للكبار في العالم الذين سبقوه حضارياً، إلا أنهم لم يتفوقوا عليه أخلاقياً. ومنذ ذلك الحين دخلت جنوب إفريقيا في اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، وانضمت إلى الاتفاقيات الدولية التي تحرم استخدام الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية.

ما نادى به الرئيس مانديلا وما فعله وهو في قمة السلطة، يعبر عن نقاء إنسان يؤمن حقيقة بمبادئه، على الضد من رؤساء آخرين شهدناهم ونشهدهم في بلداننا، جعلوا من الشعارات الوطنية والإنسانية البراقة سلماً للصعود نحو مواقع توفر لهم المزيد من النفوذ والقوة والتسلط والثراء.

إن لدى جميع الشعوب ومن غير استثناء رموز خاصة تعتز بها، بعضها قديم وأخرى حية تعايشنا ونشهد حضورها في الصحافة وعلى شاشات التلفزيون. معظم الرموز التي اندغمت في النسيج الثقافي للشعوب، هي رموز قديمة اختلطت بحكايات شعبية توارثتها وزادت عليها لتنقلها حية عبر الأجيال بأسلوب محبب عن إنسان يختلف عن الآخرين بشيء مميز يثير الإعجاب وربما يمنح الإلهام. وفي بعض الأحيان يبدو هذا الرمز بمثابة أسطورة ليس إلا، لصعوبة إدراك أن واقع الحياة يسمح بنشوئها في الظرف المكاني والزماني الذي نشأت فيه، وفي ضوء ما تسمح به قوانين الطبيعة.

الرموز عناصر حية في ثقافات الشعوب، ولا تزال الساحات التي صنعتها تلقى بعض الحنين إلى أجوائها، سواء أكانت ساحات قتال أم ساحات مبارزات شعرية أم أدبية أم فنية أم ساحات مباريات رياضية. وقد اعتدنا رؤية هذه الرموز تزين قمصان الشباب في معظم دول العالم، الذين يشعرون بأن انتماءهم للرمز يعطر حياتهم ويجعلهم أقل عزلة، رمز لكرة القدم وآخر للفن وثالث لمقاتل ثوري حمل السلاح من أجل الحرية.

نيلسون مانديلا رمز من نوع خاص لم تصنعه أحداث في الماضي البعيد، ولم تضخم من حجمه الحكايات الشعبية المتوارثة، بل رمز شهدنا صناعته على مدى سنوات عمره الطويل، فهو لا ينتمي لأرض معينة أو ثقافة معينة فما يميزه هو إنسانيته، لذلك أصبح رمزاً ليس فقط لمواطنيه ومحبيه في جنوب إفريقيا، بل في العالم أجمع. ولا نجانب الحقيقة حين نقول إن الراحل العظيم نيلسون مانديلا لم يغير الأطر الفكرية لصالح الإنسان في بلاده فحسب، بل في العالم أجمع.. إنه أكثر من رمز.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات