حين تكون الصحافة.. مستقلة!

ما قاله آلان روسبردغر، رئيس تحرير صحيفة الغارديان البريطانية لمجلس العموم البريطاني، نموذج لما يعنيه استقلال الصحافة، وهو في ظني من أفضل ما يمكن تدريسه في كليات الإعلام في عالمنا العربي، كمثال حي لما ينبغي الإصرار عليه دفاعاً عن حرية الصحافة واستقلاليتها.

فليس خافياً أن صحيفة الغارديان تتعرض لهجوم شرس ولضغوط شديدة، منذ أن شرعت في نشر الوثائق التي سربها إدوارد سنودن، والتي تفضح المدى الذي وصلت إليه أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية بأنواعها، في تجاوز سلطاتها والتنصت على مواطنيها، بل ومواطني ورؤساء دول أخرى.

فسنودن الأميركي الذي كان يعمل في هيئة الأمن القومي الأميركية، استطاع من خلال عمله أن يطلع على الكثير من الوثائق التي تثبت تورط الهيئة في انتهاك القانون، والتوسع غير المسبوق في عمليات التجسس السرية، ودون إذن قضائي.

فهرب سنودن بالمستندات إلى هونغ كونغ، ومن هناك اتصل بالصحفي الحقوقي اللامع جلين غرينوولد، الذي كان قد انتقل من مجلة صالون الأميركية إلى الغارديان، واستأمنه سنودن على تلك الوثائق لنشرها وفضح تلك الهيئة وغيرها من الهيئات الاستخباراتية التي تعاونت معها، وعلى رأسها الهيئات البريطانية.

وفور قيام الغارديان بنشر أولى حلقاتها، تعرض غرينوولد لهجوم شرس داخل بريطانيا وأميركا، بل وتعرضت الغارديان نفسها لهجمة شرسة في بريطانيا، ومورست عليها من جانب الحكومة البريطانية ضغوط مختلفة، منها دعوات صدرت عن البرلمان البريطاني تطالب بملاحقة الصحيفة قضائياً. كما شملت الضغوط زيارات مستمرة من جانب مسؤولين حكوميين للصحيفة، تحمل في طياتها تهديدات مبطنة.

أكثر من ذلك، وصل الأمر إلى إجبار الصحيفة في أغسطس الماضي، على تدمير أجهزة الكمبيوتر التي تم الاحتفاظ على أسطواناتها وفي ذاكرتها بتلك الوثائق، ووقتها طالب مسؤولون حكوميون الغارديان بتسليم تلك الوثائق أو تدميرها بالكامل.

وقد وجدت الجارديان نفسها في موقف لا تحسد عليه، فهي رفضت طبعاً تسليم الوثائق للحكومة، ولكنها في الوقت ذاته تلقت تهديداً بملاحقة قضائية تمنعها بالمطلق من نشر تلك الوثائق، على أساس أنها "وثائق مسروقة" تمس الأمن القومي.

وقتها وافقت الصحيفة على تدمير تلك الوثائق، وهو ما جرى فعلا وبحضور اثنين من المسؤولين الحكوميين، أصرا على حضور عملية تدمير الأسطوانات بنفسيهما. لكن الغارديان ظلت تنشر حلقات من تلك الوثائق التي ظلت نسخ منها موجودة في أميركا لدى نيويورك تايمز وواشنطن بوست، فضلاً عن البرازيل التي يعيش فيها الصحافي غرينوولد.

لكن الغارديان ظلت حتى اليوم تتعرض لضغوط مستمرة، كان آخرها استدعاء رئيس التحرير للشهادة أمام لجنة الداخل الوطني في مجلس العموم. وقد تحدث آلان روسبردغر بكل قوة، وانطوت كلماته على تحد واضح لكل محاولات الضغط على الجريدة لدفعها للتوقف عن نشر الوثائق. فبخصوص الهجوم الشرس الذي تتعرض له الغارديان، قال الرجل بهدوء: "إن قصف حامل الرسالة من أقدم الحيل المعروفة والتي تستخدم لإلهاء" الناس عن القضية الأصلية، لئلا يتم التركيز على الفضيحة أصلًا.

وقد واجه رئيس تحرير الغارديان هجوماً من أحد أعضاء البرلمان، يتهمه فيه بارتكاب جريمة عندما أتاح الوثائق التي حصل عليها للنيويورك تايمز، وسأله سؤالًا استنكارياً عما إذا كان "في المصلحة العامة" تقديمه للمحاكمة. وقد أجاب روسبردغر إجابة مهذبة، وإن حملت انتقاداً صريحاً للنائب، حيث قال له: "يتوقف الأمر، حقيقة، على موقفك من حرية الصحافة.. فنحن أتحنا المادة لزملائنا في النيويورك تايمز حتى ندفع نحو نقاش عام (حول تجاوزات الأجهزة الأمنية)، يرى الكثير من الرؤساء والبرلمانات حول العالم أنه صار ملحاً".

وحين هاجمه عضو آخر بسؤال افتراضي بشأن الحرب العالمية الثانية، وهل لو كان موجوداً وقتها كان سيعطي الشفرات المهمة للنازي، قال رئيس تحرير الغارديان بمنتهي القوة: "إن ما قلته تواً عبارة عن حيلة معروفة للتضليل وإلهاء الناس عن القضية الأصلية.

فمعظم الصحافيين قادرون على التمييز بين الأشياء التي تتحدث عنها وما نحن بصدده". وفي كل تلك الإجابات، كان رئيس تحرير الغارديان لا يهاجم فقط تلك الحيل المختلفة التي تستخدم للانقضاض على الحريات عموماً ومنها حرية الصحافة، وإنما كان يفضح من يستخدم تلك الحيل علناً، بل وفي وجوده.

لكن لعل أهم إجابة لرئيس تحرير الغارديان، هي تلك التي جاءت رداً على واحد من أكثر الأسئلة فجاجة ومكارثية، عندما سأله رئيس اللجنة عما إذا كان "يحب هذا البلد". فكان رد روسبردغر أنها مفاجأة بالنسبة إليه أن يسأل مثل ذلك السؤال، ثم استطرد قائلاً: "ولكن، نعم، نحن وطنيون. وواحدة من الأمور التي نشعر بالوطنية تجاهها هي (ما تعنيه) الديمقراطية، حرية الصحافة، لأننا نستطيع، في هذا البلد أن نناقش وننشر مثل هذه الأشياء".

والإجابة تقوم على المنطق نفسه، وهو فضح التخوين كواحد من أهم الحيل التي تستخدم لشيطنة الخصم وتغيير الموضوع. فما فعله روسبردغر هو أنه نقل المسألة إلى أرضيته الصحيحة، عبر الحديث عن جوهر الوطنية من الناحية العملية، لا قصرها على الشعارات. وما بين سطور كلمات رئيس التحرير، كان هناك معنى محدد لم يتورع الرجل عن أن يقوله علناً للجنة، فقد قال صراحة: "إن الغارديان لن يوقفها التخويف"، وهي عبارة تمثل جوهر استقلال الصحافة وحريتها.

حين قرأت ما جرى في تلك الجلسة مع رئيس تحرير الغارديان، وجدت أن ما جاء على لسان الرجل ليس وحده النموذج الواجب تدريسه، وإنما ينبغي لطلاب الإعلام في بلادنا الانتباه لنوع الخطاب الذي استخدمه الرجل في جلسة البرلمان. فهو خطاب لا يعكس فقط الاعتزاز بمهنة الصحافة وتحدي كل محاولات إخضاعها لرغبات السلطة، وإنما يكشف أيضاً عن وضوح للرؤية بخصوص من بالضبط الذي تدين له الصحافة بالولاء.. فهو المواطن والمصلحة العامة، لا السلطة ومن يمثلونها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات