تحولات السياسة الأميركية نحو اليمين

وصفت صحيفة "واشنطن بوست" فوز كريس كريستي الكاسح لولاية ثانية كحاكم لولاية نيوجرسي، بأنه: "إشارة واضحة لصالح البراغماتية، على نقيض الحكم الأيديولوجي". وفي المقابل، استخدمت وسائل الإعلام ضمن التيار السائد، صفة مختلفة لوصف بيل دي بيلازيو، الفائز الآخر الذي اكتسح الانتخابات العامة الأخيرة، حيث تحدثت صحيفة نيويورك تايمز، على سبيل المثال، عن "صعود دي بيلازيو ذي النزعة اليسارية".

وكثيراً ما يوصف كريس كريستي بأنه براغماتي، أما دي بيلازيو فيوصف بأنه يساري. لكن على ضوء عدم المساواة المتزايدة في أميركا، فإنه ينبغي عكس التسميات.

فالبراغماتي الحقيقي هو دي بيلازيو، الذي يقترح زيادة الضرائب على الأغنياء، في سبيل تمويل البرامج ما قبل المدرسة حتى سن الأربع سنوات، وما بعد سن الالتحاق بالدراسة لأطفال الفقراء وأطفال الطبقة الوسطى التي تتعرض لضغوط شديدة.

وتقضم تكلفة رعاية الأطفال قدرا كبيرا من رواتب العديد من الآباء والأمهات العاملين، وقد اضطر بعضهم إلى ترك أطفالهم بمفردهم في المنزل، أو الاعتماد على الجيران والأقارب المثقلين بالأعباء. ورسم إضافي محدود على مداخيل كبار الأثرياء لدفع تكاليف رعاية الأطفال، الذين يجري الإشراف عليهم جيدا، هو رد عملي ومتأخر جدا.

والأيديولوجي الحقيقي هو كريس كريستي، الذي اعترض على زيادة الحد الأدنى للأجور في ولاية نيو جيرسي. ويعد الحد الأدنى الحالي البالغ 7.25 دولارات، أدنى بكثير مما كان عليه منذ ثلاثة عقود من حيث القوة الشرائية، ونموذج العامل التقليدي بحد أدنى للأجور لم يعد في سن المراهقة، بل هو معيل رئيسي لعائلته.

وكريستي الذي تطلق عليه صفة "البراغماتي"، يقف إلى جانب حزب الشاي في عدد من المواقف. لكن لأنه ليس ضمن حزب الشاي، ولديه التهور بحيث يشاهد في صحبة ودية مع الرئيس الأميركي باراك أوباما في أعقاب الدمار الذي خلفه إعصار ساندي، يبدو براغماتيا بالمقارنة معهم.

وكانت الحرب الأهلية التي اجتاحت الحزب الجمهوري، بتأليب حزب الشاي ضد مؤسسة الحزب الجمهوري الراسخة، تمثل صداعاً للجمهوريين الذين يركزون على سباق الانتخابات الرئاسية عام 2016. وبالنسبة لتلك المؤسسة، فإن نطاق الفوز الذي حققه كريستي يمثل مصدر ارتياح كبير.

أما الحزب الديمقراطي، في المقابل، فقد كان النموذج المثالي للكياسة. وقد هيمن الديمقراطيون الأساسيون داخل مؤسسة الحزب، منذ أن قسم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون "الحزب إلى ثلاثة أقسام" ونقله في اتجاه اليمين.

وفي غضون ذلك، كان بالإمكان بشكل ملحوظ السيطرة على الديمقراطيين التقدميين والعمال المنظمين في نقابات، أولئك الذين وصفهم بول ويلستون الراحل بـ"الجناح الديمقراطي في الحزب الديمقراطي".

وعلى الرغم من إجبارهم أوباما على سحب ترشيحه للاري سمرز، إلا أن أولئك تم تجاهلهم تقريبا بشأن القضايا الكبيرة التي لها علاقة بعدم المساواة المتزايدة.

وعندما أراد هؤلاء التقدميون من مصارف وول ستريت تقليص رهن العقارات التي أصبح سعرها في السوق أقل من قيمة رهنها، كشرط لإنقاذ هذه المصارف، فإن البيت الأبيض ومعظم أعضاء الكونغرس من الديمقراطيين أصموا آذانهم.

وأولئك التقدميون أيضا لم يحصلوا على شيء في محاولتهم إنهاء تخفيضات بوش الضريبية (حتى لو كان يعني هذا الذهاب إلى "الهاوية المالية")، والسعي للحصول على "خيار عام" بشأن التأمين الصحي، وفي مجال "قانون حرية اختيار المستخدمين" الذي من شأنه أن يسهل عملية تشكيل النقابات، وقانون غلاس -ستيغل المعاد إحياؤه كجزء من النظام المالي، وفي اعتراضهم على القياس البديل لمؤشر أسعار المستهلك لأوباما، في مجال الضمان الاجتماعي وتخفيضات الرعاية الطبية. لكن التقدميين في الحزب الديمقراطي، قبلوا بالنتائج من دون إعلان الحرب الأهلية.

لو قام الرئيس الأميركي والديمقراطيون في الكونغرس بفعل المزيد لعكس ويلات عدم المساواة المتزايدة، لبدا دي بيلازيو أكثر ضمن التيار السائد، ولفهم اقتراحه برفع الضرائب على الأغنياء لتمويل مدارس أفضل، على أنه استجابة عملية أخرى للتحدي الأكبر في عصرنا.

ولو لم يعلن حزب الشاي الحرب على مؤسسة الحزب الجمهوري، لكان سينظر إلى كريستي باعتباره يمينياً، ولكانت معارضته لرفع الحد الأدنى للأجور وغيرها من المواقف التي تتطابق مع مواقف حزب الشاي، ستفهم على أنها معارضة أيديولوجية.

والمفارقة الأكبر في العقود الثلاثة الماضية، هي أن الساحة السياسية الأميركية مالت إلى اليمين، في الوقت نفسه الذي تراجعت أوضاع معظم الأميركيين. ويواصل العقائديون الانتقال نحو اليمين.. أما البراغماتيون الحقيقيون فعلًا، فإنهم يحاولون جعل هذه الساحة تتوازن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات