الصهيونية واليهود.. نزعة «تخصيب الخوف»

ينشد المستحيل من يبحث عن أبعاد أو مضامين إنسانية بحتة في الحركة الصهيونية. ففي حقيقتها لم تكن هذه الحركة في كثير من نجواها وسلوكياتها رحيمة حتى باليهود أنفسهم.

كان لابد للحركة الصهيونية من تعظيم روح الانعزال وإنضاجها لدى اليهود تجاه مجتمعاتهم الأم، وهي توسلت لإنجاز هذا الهدف ببث الخوف وزراعته وتخصيبه بينهم، عبر تسليط أضواء قوية على أسوأ ما في ماضيهم وحاضرهم وأسوأ ما ينتظرهم في المستقبل، إذا ما ظلوا مقيمين بين ظهراني هذه المجتمعات.

وفي هذا الإطار، كانت الأذرع الاستخبارية في طليعة السياقات التنظيمية التي كونتها الحركة على نطاق عالمي. وقد أنيط بهذه الأذرع التغلغل في أوساط اليهود وإقناعهم بفكرتها عن الملاذ الأخير والوحيد من الاضطهادات المزمنة التي تلاحقهم في مختلف المواطن.

والواقع أن المساعي الصهيونية لتمرير الهجرة إلى "الوطن الملاذ"، لم تكلل بمقادير متساوية من النجاح. فقد اختلفت ردود أفعال اليهود تجاه هذه المساعي، وفقاً لتباين أوضاعهم وموروثاتهم التاريخية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وفي هذا المضمار تحققت أقصى مراتب النجاح بين أوساط يهود روسيا وشرق ووسط أوروبا، باعتبارهم الأكثر انكشافاً وخضوعاً لموجات من الاضطهاد والغضب العام.

ليس هنا مقام تفنيد هذا الزعم. لكن المفاهيم الانعزالية للصهيونية وقعت هناك على بيئة مواتية، بحيث أينعت وآتت أكلها بنشاط تعبوي محدود، قياساً بما تم بذله في عوالم أخرى كالمنطقة العربية.

وقناعتنا بهذا الخصوص، أن لعنة هذه المفاهيم كانت، ولعلها مازالت، تجد ضالتها إلى الرواج والانتشار في البلاد التي يتشبع فيها اليهود بهواجس الانسحاق تحت الاضطهاد النوعي الديني. وهو وتر كانت الصهيونية تعرف كيف تنميه وتعزف عليه.

لقد ساهمت الصهيونية عن عمد وسابق تدبير، في إيقاد نيران الفتن ضد اليهود، طالما كان هذا المناخ حافزاً على استقبال رؤاها وخطابها الأيديولوجي السياسي بقبول حسن. ولم يكن هذا متوفراً لها بقدر مقبول من الأريحية في الحالة العربية. فمن المفارقات التي تغفلها الأدبيات الصهيونية، أن اليهود العرب لم يتعرضوا لمبادرات عنصرية لافظة أو طاردة لهم بقوة وعنف على غرار "المحارق الأوروبية".

ولذا، لا نعثر على موجات كبيرة لهجرة هذا القطاع من الرحاب العربية قبل 1948. كان اليهود جزءاً من النسيج العربي بمعظم مكوناته.

ولم يحل الاختلاف الديني العقيدي بينهم وبين تبوؤ مكانات رفيعة على مختلف الصعد. ولا يبالغ من يذهب إلى أن بعضهم استحوذ في بعض الأقطار العربية على مواقع نوعية، تفوق كثيراً ما كان ينبغي لهم إذا ما روعي عنصر الكم وحده.

من هنا كانت صعوبة استقطاب اليهود العرب حول الصهيونية ومشروعها الاستيطاني بالأدوات الدعائية والأيديولوجية البحتة التي تم التوسل بها في عالم الغرب.

ومن هنا أيضاً، كان الجنوح الصهيوني نحو استخدام أدوات العنف الرامية إلى إثارة معاني الاضطهاد، واصطناع الخوف بين اليهود باصطناع موجباته. الأمر الذي حدث بالفعل غداة 1948. فكانت التفجيرات المعززة بأحاديث الوعيد ضد أهداف يهودية في كل من العراق واليمن وتونس وليبيا والمغرب.

وعلى الرغم من الخبث الشديد والتكتم والسرية المطلقة، التي أحاطت بتلك الأعمال الإجرامية، إلا أن الحقائق الخاصة بها راحت تتكشف تباعاً. أدبيات الصراع الصهيوني العربي المعتمدة على جهود بحثية صارمة، تزخر بالروايات السوداء حول دور الاستخبارات الصهيونية الإسرائيلية بعد 1948 في هجرة يهود اليمن بعملية "البساط السحري"، وهجرة يهود العراق بعملية "عزرا ونحميا"، وهجرة يهود ليبيا عبر تدبير اعتداءات على بعضهم بالتزامن مع حرب 1967.

للإنصاف، فإن طائفة معتبرة من هذه الأدبيات، استندت إلى أعمال أكاديميين وصحافيين إسرائيليين عدول، ومن أحدثها البحث الذي أنجزه المؤرخ يجال بن نون من جامعة بار إيلان، مؤكداً فيه أن "جهاز الموساد أرسل قبل خمسين عاماً بالتمام خلية كبيرة إلى المغرب لتنفيذ عمليات إرهابية ضد اليهود تؤدى بتداعياتها إلى استفزازهم للهجرة إلى إسرائيل".

وقد توصل بن نون إلى أن رجال الخلية لم يتورعوا عن تهريب يهود مغاربة، على متن سفينة كانوا يعلمون أنها غير صالحة للإبحار. وهي غرقت بالفعل مع ركابها الأربعة والأربعين. كل هذا الإجرام لأجل إثارة ضجة عالمية تتعاطف مع اليهود ".

. الذين يموتون غرقاً وهم يسعون للخلاص من حكم عربي إسلامي يضطهدهم". هذه آية أخرى عن الوسائل الصهيونية المنحطة لتحقيق غاية أشد انحطاطاً. وإذا كان شأن الصهيونية مع بعض اليهود على هذه الشاكلة من السلوك الهمجي، فكيف الحال مع "الأغيار" العرب والفلسطينيين؟.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات