الخليج والاتفاق النووي الإيراني

اتفقت كل من إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد (الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا) مع إيران على اتفاق مؤقت لمدة ستة أشهر تقوم من خلاله إيران بالحد من برنامجها النووي في مقابل رفع محدود للعقوبات المفروضة عليها.

وباستثناء إسرائيل، رحب المجتمع الدولي بهذا الاتفاق باعتباره خطوة نحو بناء الثقة من أجل الوصول إلى حل نهائي لمسألة البرنامج النووي الإيراني. دول الخليج العربي كانت من ضمن الدول المرحبة بهذا الاتفاق من خلال البيانات التي صدرت سواء من قبل حكومات تلك الدول أو من خلال المجلس الوزاري الخليجي. ورغم أن هذا الترحيب هو عين العقل إلا أنه ظل ترحيباً خجولاً. 

إن قراءتنا للواقع الخليجي تشير إلى أن هذا الترحيب يشوبه بعض من الشكوك الخليجية حول هذا الاتفاق، مردها الأساسي ليس الاتفاق بحد ذاته، فهذا الاتفاق يصب في صالح دول الخليج العربي لأنه يكبح جماح البرنامج النووي الإيراني الذي إذا ما تحقق وأصبحت إيران نووية عسكرياً فإنها ستخل بموازين القوة لغير صالح الدول الخليجية، لكن هذا الشك الخليجي مرتبط بالكيفية التي تم التوصل من خلالها إلى هذا الاتفاق التمهيدي.

هذه العملية، كما سربتها بعض وسائل الإعلام أشارت وبوضوح إلى وجود ترتيبات للقاءات ثنائية دارت بين واشنطن وطهران عن طريق مسؤولين من البلدين تعود إلى الأيام الأخيرة من عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، وأنها تكثفت مع مجيء الرئيس الحالي حسن روحاني.

الخشية الخليجية مردها هشاشة الثقة بين دول الخليج والولايات المتحدة الحليف الذي تعتمد عليه بعض دول الخليج في ضمان أمنها. واشنطن ـ على أقل التقدير ـ لم تعلم حلفائها الخليجيين بما كان يدور بينها وبين طهران، كما ذكرت تلك الوسائل الإعلامية التي سربت الخبر.

دول الخليج العربي بالطبع لا تمانع من أن تلعب دولها دوراً في تحقيق الأمن والاستقرار للمنطقة، إلا أنها لا يمكن أن تقبل بأن تكون آخر من يعلم. فهذا التواصل الأميركي الإيراني يفتح المجال على مصراعيه لتكهنات جديدة حول أن واشنطن مستعدة للجلوس مع إيران بشكل ثنائي خاص من دون أن تُشرك حلفاءها وشركاءها في الأمر للوصول إلى تفاهمات مع إيران، بعضها قد لا يصب في صالح دول الخليج من وجهة النظر الخليجية.

وهذا هو الذي أغضب فرنسا عندما رفضت في بداية الأمر قبول الاتفاق في الجولة قبل الأخيرة التي تم فيها الاتفاق، حيث إن فرنسا حست بأنه قد تم تهميشها من قبل واشنطن وأنها لا يمكن أن ترضى بمثل هذا الأمر، وبعد أن أوصلت رسالتها بشكل مباشر إلى واشنطن وافقت باريس على الاتفاق فيما بعد في الجولة الأخيرة.

دول الخليج العربي أرادت أن تكون واضحة مع واشنطن، ففي النهاية الحلفاء والشركاء لا بد أن يكونوا واضحين في التعامل مع مصالح بعضهم البعض وصريحين إلى أبعد حد. لذلك جاءت الرسالة الخليجية إلى واشنطن بأننا مع كل اتفاق من شأنه أن يساعد في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، ولكن لا يمكن لنا أن نفاجأ بترتيبات تتم في منطقتنا ونتعرف عليها عبر وسائل الإعلام.

دول الخليج تود أن تكون في الصورة، ولو كان الأمر بشكل ثنائي لما يدور من حولها من ترتيبات. فاللقاءات الثنائية بين واشنطن وطهران أتت بالاتفاق التمهيدي المؤقت الحالي، لكن الخوف أن تكون واشنطن تجري مثل تلك الترتيبات مع طهران في مسائل أكبر من ذلك ومرتبطة بأمن الخليج، والتي يمكن أن تعتبرها دول الخليج إضراراً بمصالحها، لذلك لابد أن تكون دول الخليج في الصورة دائماً.

صحيح أن إحدى دول الخليج كانت حاضرة في المشاورات الثنائية ولكن حضورها غير واضح إن كان جزءاً في عملية المحادثات ومحتواها أم أنها كانت فقط تقدم المساعي الحميدة والتسهيلات الإجرائية للقاء الأطراف، وعلى الأرجح فإن الاحتمال الثاني هو الأقرب ..

كما ذكرت وسائل الإعلام التي سربت ذلك الخبر. وإذا كانت هذه الدولة الخليجية جزء من العملية التفاوضية فإنها ما من شك ستضع مصلحة دول الخليج في عين الاعتبار، وتكون بمثابة الممثل الشرعي لها، وستكون دول الخليج أكثر ارتياحاً.

أياً ما كان الحديث فإن دول الخليج مقتنعة بأن الاتفاق الذي تم هو في صالح الجميع بما فيها دول الخليج العربي، لذلك فقد دعمته الدول الخليجية من دون تردد..

وهي أيضاً تعتبر أن هذا الاتفاق مهم، لكن الأهم في تقديرها هو ما سيأتي بعد هذا الاتفاق من تفاهمات قد توصل الأطراف إلى الاتفاق الشامل. وهنا فإن دول الخليج لا تود لمثل هذا الاتفاق أن يأتي على حسابها بأي شكل ما كان، لذلك فإن بقاءها في الصورة حول ما يدور من حولها هو مطلب خليجي مهم وضروري.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات