تاريخ يستلهم جيل المستقبل

مرت الاحتفالات بالعيد الوطني ومرت الفرحة باختيار دبي كمدينة مضيفة لمعرض إكسبو 2020، وتبقى في صدورنا الفرحة كامنة وخاصة فرحة الأجيال الحالية التي لم تشهد قيام الاتحاد ولكنها بالتأكيد شهدت اختيار الإمارات كدولة مضيفة لمعرض إكسبو 2020.

هذه الأحداث مرت، وهي إما حدث وإما رقم وهي جميعها سوف تدخل التاريخ وتصبح يوماً من الأيام دروساً وعبر للأجيال القادمة، ولكن الأمر الذي سوف يظل يثير الأسئلة وعلامات الاستفهام هو كيف نحول تلك الأحداث وهذه الأرقام القياسية التي تحصدها الإمارات إلى قيم نعتز بها وننقلها لأجيال لم تشهد الاتحاد ولم تشهد حصول الإمارات على حق استضافة إكسبو؟

كيف نترجم فرحتنا بقيام الاتحاد وفرحتنا باختيار بلدنا كدولة مضيفة لأضخم معرض في تاريخ البشرية وفرحتنا الأكيدة بالذكرى الخمسين لقيام دولتنا إلى قيم باقية نعتز بها، قيم تبعث في نفوسنا العزة والفخر والاعتزاز بتاريخ دولتنا وبحضارتنا التي وضعنا أسسها خطوة بخطوة؟

كيف نوظف التاريخ ليخرج عن إطاره الجامد ونطاقه المحدود ليصبح باعثاً للعزة ومحركاً للفخر ومعززاً للروح والهوية الوطنية لكي يصبح مصدراً للنجاح والفخر نلجأ له متى ما احتجنا إلى مصدر فخر وهوية تميزنا واعتزاز يفجر فينا طاقات الإبداع والابتكار؟ وقبل هذا وذاك ما هو التاريخ الذي يجب أن نعتبره مصدراً للفخر ومؤثراً مهماً في تحديد مصيرنا ومصير أمتنا وشعوبنا؟

لأعوام وعقود خلت كانت مؤسساتنا العربية التعليمية تدرس التاريخ وكأنه أحداث جامدة وتصوره وكأنه بطولات لأشخاص وأنظمة وأيديولوجيات مبهمة تدفع بالدارس في الكثير من الأحيان ليس إلى التأمل والعبرة والرغبة في اكتساب المزيد من المعرفة بل إلى الإحساس بالملل والرغبة في الهروب من هذا الإرث الثقيل الذي يكبلنا بقيود تتطلب التذكر والتقديس.

لم يكن التاريخ الذي يدرس لنا يلهمنا بل في الكثير من الأحيان يدفعنا للفرار خارج بوتقته والتأمل في أقصر الطرق للخروج عبر اجتياز بوابة امتحاناته التجريبية. فلا غرو أن يصبح علم التاريخ الذي كان دوماً علم الملوك، علماً مملاً مقلاً في أعداد دارسيه ومنتفعيه.

لم يقتصر الأمر على ذلك بل حاول بعض من بيده الأمر تشويه هذا التاريخ عن طريق تصويره على أنه تاريخ الأنظمة الحاكمة والمسيطرة وليس تاريخ الشعوب والأمم، الأمر الذي أضفى على التاريخ سمة رسمية أفقدته حسه الشعبي التفاعلي وجعلته علماً ناقصاً لأهم خواصه وهي أن التاريخ هو "انعكاس لحركة الشعوب".

وعلى الرغم من ظهور وبروز نظريات عالمية كثيرة تدفعنا لدراسة التاريخ عبر التأمل واستخدام المناهج العلمية الحديثة كمنهج الاستنباط والاستقراء والمقارنة واستلهام الأحداث وما فيها من دروس وعبر من أجل توظيفها لتفسير الحاضر المستقبل إلا أن علم التاريخ لدينا رفض أن يغادر موقعه الجامد.

وظل كذلك بالنسبة للأجيال الجديدة التي تمرست على استخدام التقنيات الحديثة وتوظيفها واعتقدت أنه لا مكان لعلم الماضي في الحاضر والمستقبل. وبدأ الأمر محيراً بعض الشيء وكأن بين التاريخ والعلم الحديث فجوة كبيرة لا سبيل لعبورها، وعداوة لا سبيل إلى تحييدها. ولكن الغرب سريعاً ما استطاع تجسير تلك الفجوة والعبور بدارسي التاريخ إلى مرحلة جديدة قائمة على أفضل المناهج العلمية وأفضل التقنيات العصرية.

وعلى الرغم من التقدم العلمي الهائل وثورة التقنيات من حولنا إلا أن مؤسساتنا التعليمية ظل معظمها يدور في الدائرة نفسها إما بفعل مدرس تقليدي رفض الخروج خارج إطار بوتقته التي استكان لها، وإما بفعل منهاج تقليدي وبيئة علمية غير محفزة أتت بنتائج سلبية عوضاً عن تلك الإيجابية المتوقعة. وظل استلهامنا للتاريخ بسيطاً على الرغم من ذلك المخزون الهائل الذي نملكه.

إن الحاجة الماسة اليوم لذلك المخزون الذي نستطيع به شحذ الهمم وتقديم القدوة الحسنة للأجيال الجديدة والاستفادة منه كرصيد حضاري للمستقبل يدفعنا نحو، ليس فقط إعادة قراءة التاريخ في ضوء المتغيرات الحديثة والإنجازات العملاقة التي حققتها دولتنا..

بل إلى كيفية الاستفادة من ذلك المخزون في شحذ همم الأجيال الجديدة واستلهام القدوة وتقديمها لهم. فما وصلت له دولتنا من تقدم ونمو لم يتحقق فقط بالمال الذي وظف من أجل التنمية والعمران بل بالإرث التاريخي والحضاري الذي كان دوماً وأبداً دافعاً لنا وحافزاً على المضي قدماً لتحقيق إنجاز تلو آخر.

إن من حق الأجيال الجديدة التي لا تعرف إلا أقل القليل عن تاريخها أن تدرسه باستخدام أفضل المناهج العلمية المتاحة وبأحدث تقنيات العصر حتى لا نجعل هناك بقعة معتمة من تاريخنا لم نسلط عليها الضوء. بذلك نكون قد وظفنا التاريخ في استقراء وفهم الحاضر والمستقبل.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات