مجتمعي مكان للجميع

مسكين.. كسر خاطري.. ما يستاهل.. وباللهجة المحلية "وحليله".. وغيرها من كلمات الشفقة التي تنهمر مثل المطر، عند رؤية أحدنا لشخص لا يبصر أو لا يسمع، أو فاقد أحد أعضائه الحركية، أو لديه صعوبة في التواصل.

يخطئ الكثير عندما يعتقد أن العجز أو الإعاقة تكون فقط في الأمثلة المذكورة، فهناك الكثير من الأسوياء بدنياً، لكنهم عاجزون فكرياً واجتماعياً ولديهم إعاقات نفسية تجعلهم يحتاجون إلى تكبير قلب، شفط الحقد، شد ارتخائهم الفكري، تكسير خلايا الشر في نفوسهم، ونفخ ضمائرهم الهزيلة.

ظهرت مفردة "الإعاقة" لأول مرةٍ في إحدى ألعاب القمار تحت مسمى "هاند إن كاب" أو لعبة اليد في القلنسوة، في القرن السابع عشر، والتي يقوم اللاعبون فيها بوضع الأموال في القلنسوة، وتنتقل لاحقاً إلى حصانٍ يتسابق..

والتي تعني عودة أقوى المتنافسين إلى الميدان من خلال إعطائهم المزيد من الوزن الإضافي ليحملوه. وفي لعبة الغولف، أصبحت تلك الكلمة تشير إلى عدد الضربات التي يستطيع اللاعب أن يخصمها من المجموع، بهدف منحه فرصةً ضد أفضل اللاعبين.. ومن ثم فإن الإعاقة الأكبر هي ميزةٌ في لعبة الغولف. إلا أنه فقط في عام 1915 استخدم ذلك المصطلح لوصف الأفراد ذوي العجز، وذلك عندما تم استخدامه لوصف الأطفال المشلولين.

تعددت الأبحاث والمفاهيم حول المعاقين، باعتبارهم فئة من فئات المجتمع وجزءاً لا يتجزأ منه.. وأوضح إعلان الأمم المتحدة الخاص بحقوق المعوقين، أن "المعوق هو كل شخص لا يستطيع أن يكفل لنفسه -كلياً أو جزئياً- ضروريات الحياة الفردية أو الاجتماعية، نتيجة نقص خلقي أو غير خلقي في قواه الجسمانية أو العقلية".

وقد عرفت منظمة الصحة العالمية الإعاقة بأنها "فقدان القدرة كلها أو بعضها على اغتنام فرصة المشاركة في حياة المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين". ومن منطلق تربوي، يتفهم البعض أن الإعاقة لا تشمل العطل الجسدي فقط، وإنما تشمل "سلسلة من الصعوبات التعليمية أيضاً، التي تنجم عن فشل المدرسة أو عن خلل في العلاقة بين الطفل وبيئته". وحسب هذا التعريف الموسع لإعاقات التعلم، فإن 10% من إجمالي عدد الأطفال في العالم تقريباً لهم حاجات خاصة، ويواجهون صعوبات كبيرة في التعلم في المدارس.

كان المعوقون فيما مضى وحتى حوالي منتصف القرن العشرين، يسمونهم "المقعدين"، ثم أطلقوا عليهم تعبير "ذوي العاهات"، ثم تطور هذا التعبير عنهم إلى اصطلاح "العاجزين". ولما تطورت النظرة إليهم على أنهم ليسوا عاجزين، عندئذ أصبحت المراجع العلمية والهيئات المتخصصة تسميهم "المعاقين" أو "المعوقين"، بمعنى وجود عائق يعوقهم عن التكيف. وبهذا المفهوم أصبحت كلمة "معوق" لا تقتصر على المعوقين عن العمل والكسب، وإنما أيضاً تشمل المعوقين عن التكيف نفسياً واجتماعياً مع البيئة.

وفي السنوات الأخيرة بدأ استخدام مصطلح "ذوي الاحتياجات الخاصة"، لأنه لا ينطوي على المضامين السلبية التي تنطوي عليها مصطلحات العجز أو الإعاقة وما إلى ذلك. اللافت للانتباه أن هذا المصطلح يطلق أيضاً على الموهوبين والمبدعين، فهم حالة خاصة من الإبداع والتفوق، ولهم حاجاتهم الخاصة.. فهل هذا كاف لإزالة التحسس والعار من كون الفرد من هذه الفئة؟

وبمناسبة اليوم العالمي للإعاقة الذي يصادف الثالث من ديسمبر كل عام، فقد التفتت دولتنا الحبيبة إلى هذه الفئة الأصيلة من مجتمعنا، ووضعت القوانين والتشريعات التي تكفل لهم الحياة الكريمة. ففي عام 2006 صدر القانون الاتحادي رقم 26 الذي يعنى بحقوق ذوي الإعاقة، وتم التركيز على وضع الاستراتيجيات لدمجهم على جميع الصعد، سواء من ناحية الخدمات الصحية أو التعليم والتأهيل أو العمل أو الثقافة والرياضة والترويح.

هنا أحببت أن أذكّر أرباب العمل، بأن ذوي الاحتياجات الخاصة لديهم من الطاقات المكنونة والإدراك ما يجعلهم يسبقون أقرانهم الأسوياء في الكثير من المهام والمنجزات، فكونوا لهم عوناً ولا تكونوا عليهم فرعوناً. فتوفير بيئة عمل تتناسب مع حاجاتهم، سيكون له أثر السحر في تفجير طاقاتهم وعطائهم.

ولا ننسى دور أم الإمارات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، في دعمها وتمكينها لذوي الاحتياجات الخاصة في شتى المجالات والمحافل. وأخيراً أطلق سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، مبادرة "مجتمعي.. مكان للجميع"، لخلق منظومة متكاملة هدفها الرئيس جعل دبي والإمارات بيئة صديقة لذوي الإعاقة، وخصوصاً في مجال الخدمات الحكومية، حيث سيكون لزاما على مزودي الخدمة تعلم لغة الإشارة وطباعة جميع الإرشادات بلغة "برايل".

طاقة إيجابية لا تخبو، وحراك مجتمعي متكامل، من أجل التأكيد على أن شعب الإمارات بجميع أطيافه، هو حقاً "أسعد شعب"..

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات