«جنيف 2» ومستقبل سوريا

لا تزال الأزمة السورية تشغل بال الرأي العام عربياً وإقليمياً، وتشكل مصدر قلق شديدا لدى المنظمات الدولية، فقد صرح أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون في الثاني عشر من نوفمبر المنصرم، في الكلمة التي ألقاها أمام الجمعية العامة، أن الوضع في سوريا لا يزال يُعتبر أكبر تهديد في العالم للسلام والأمن الدوليين. وترافق مع هذا التصريح إعلان المندوب الأممي للأزمة السورية الأخضر الإبراهيمي، بعد جهود مضنية بذلها، بأن الثاني والعشرين من يناير المقبل سيكون موعدا لانعقاد "جنيف 2".

والحقيقة أن العودة للاهتمام بالأزمة السورية على المستويين الإقليمي والدولي، لم تأت من غير ضغوط كبيرة سياسية وإنسانية فرضها الواقع المأساوي السوري. فعلى المستوى السياسي تزداد القناعة بأن الأزمة السورية قد أصبحت بمثابة الصاعق الذي قد يفجر حروبا طائفية تشمل دول الجوار، ولا أحد يستطيع حصر مخاطرها وتداعياتها على المستوى الدولي.

أما على المستوى الإنساني فقد بدأ وضع اللاجئين السوريين المزري في دول الجوار يثير القلق بشكل خطير، وأصبحت هذه الدول ترزح تحت ضغوط كبيرة وهي تواجه صعوبات متزايدة في استيعاب أعداد جديدة من اللاجئين، وفي توفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة لهم. كما أن الوضع الإنساني في سوريا نفسها يتدهور بصورة مقلقة، كما تشير لذلك الأمم المتحدة التي تشكو من النقص الحاد في الأموال اللازمة لتمويل عمليات الإغاثة الإنسانية في سوريا.

من جانب آخر، طرأ تغير مهم في مواقف بعض الدول الإقليمية ذات العلاقة الوثيقة بالأزمة السورية. ففي مؤتمر صحافي مشترك بين وزيري خارجية تركيا وإيران، في السابع والعشرين من نوفمبر المنصرم في طهران، دعا البلدان إلى وقف إطلاق النار في سوريا قبل عقد "جنيف 2"، وأكدا أن لا حل عسكريا للأزمة. أما على المستوى الدولي فقد أصبحت الأزمة السورية تشغل حيزا ملحوظا في المحادثات التي تجري بين الدول الكبرى، سواء على مستوى الرؤساء أو وزراء الخارجية.

ومع الإعلان عن موعد عقد "جنيف 2"، لا أحد يتوقع بقدر من الثقة أن الطريق سيكون سالكا وأن الأزمة السورية في طريقها فعلا إلى الحل، رغم أن الأطراف الداخلة في الصراع المضني الطويل قد أصابها الوهن والإعياء، وفقدت الثقة في قدرتها على الحسم عسكريا لصالحها، إذ لم يكن من الصعب رصد التراخي في المواقف المتشددة التي كان يبديها الطرفان في وضع الشروط المسبقة لعقد "جنيف 2".

من المتوقع أن يدعى لحضور المؤتمر، إضافة إلى الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، ممثلون عن الاتحاد الأوربي والمؤتمر الإسلامي والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، وربما بعض دول المنطقة التي لا تعترض على أن تكون توصيات "جنيف 1" التي صدرت في الثلاثين من يونيو 2012، قاعدة لانعقاد "جنيف 2".

وتنص تلك التوصيات على ضرورة "إنشاء حكومة انتقالية تعود إليها الصلاحيات التنفيذية الخاصة بالحكومة والرئاسة في سوريا، بما في ذلك الإشراف على القوات المسلحة وأجهزة الأمن والاستخبارات والإشراف على الانتخابات".

في حينه لم تلق توصيات "جنيف 1" آذانا صاغية، فالحسم العسكري كان الخيار المفضل لدى الرئيس السوري، ولم تمارس الأسرة الدولية ما يكفي من الضغوط لإلزامه بها. ومع أن التوازن العسكري منذ صدور تلك التوصيات قد مر بين مد وجزر، تراجع أو تقدم، لصالح هذا الطرف أو ذاك، إلا أن قوات النظام السوري تمكنت في الآونة الأخيرة، مدعومة بقوات وميليشيات من دول مجاورة، من تعزيز مواقعها والحصول على بعض المكاسب على الأرض، لتحظى بموقف تفاوضي أقوى في "جنيف 2".

من جانب آخر، لم تتمكن قوى المعارضة من علاج حالات الضعف والتخبط التي ترزح تحتها سياسيا وتنظيميا، خاصة بعد أن تمكنت تنظيمات إسلامية متشددة، ومنها تنظيم القاعدة، من فرض نفسها على الأرض كقوة رئيسية في بعض المناطق، مما ترتب عليه خلط في الأوراق أساء كثيرا للمعارضة ولأجندتها السياسية، وقلص إلى حد كبير من حجم المساعدات التي كانت تتوقعها من الدول الغربية.

القناعة تزداد بعدم إمكانية حسم الصراع بالقوة، ولكن الحل عن طريق المفاوضات هو الآخر تعترضه عقبات رئيسية، ففي الوقت الذي تؤكد فيه دمشق أن مشاركتها في مؤتمر "جنيف 2" ليست لتسليم السلطة أو لاستبعاد الرئيس بشار الأسد من العملية الانتقالية"، يصرح رئيس الائتلاف المعارض أحمد الجربا بأن المعارضة ترى مؤتمر جنيف خطوة في اتجاه انتقال القيادة و"تحول ديمقراطي حقيقي في سوريا".

من جانب آخر، أصبح الطرفان أقل قدرة على مقاومة الضغوط الخارجية للخروج بحلول توقف نزيف الدماء، وتمهد الطريق نحو إقرار نظام سياسي يتقبل الجميع على قدم المساواة. فما سيتمخض عنه لقاء "جنيف 2" لن يعدو تأكيد توصيات "جنيف 1"، ربما مع بعض التعديلات حول دور كل طرف في مرحلة انتقالية تجرى فيها انتخابات تحت إشراف دولي، تسمح للشعب السوري بأن يقرر مصيره بنفسه، بعيدا عن سلطة أمراء الطوائف وبعيدا عن الخضوع لإرادات دول الجوار.

ولكن ذلك ليس بالأمر الهين، فإجراء انتخابات يتطلب توافر الأمن وخروج المسلحين من المدن، وعودة الملايين من المهجرين، وهذه عملية على درجة كبيرة من التعقيد، وليس هناك من ضمان إن أجريت أن تتسم بالنزاهة.

لن يمر طويل وقت قبل أن يتحقق الفرقاء السوريون من حجم الخراب الذي ألحقوه ببلدهم، ليس على مستوى التدمير في البنى التحتية والخسائر البشرية والتشرد والمعاناة الإنسانية فحسب، ولكن على المستوى الذي يتعلق بسيادة بلدهم. فسوريا قد أصبحت مثل العراق إبان عهد النظام السابق، حين ارتهنت إرادته وفقد سيادته وأصبح جميع مرافقه عرضة للانتهاك والتفتيش من قبل الفرق التابعة للأمم المتحدة، مما مهد الطريق لاحقا لاحتلاله.

فبسبب سوء السياسات التي انتهجها هؤلاء الفرقاء والتحالفات التي أبرموها، حكاما ومعارضة، لم تعد مقدرات سوريا منذ "جنيف 1" في يد أبنائها، بل أصبحت معروضة في المزادات الإقليمية والدولية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات