معركة وهمية

بنظرة شاملة على ما تسميه أميركا «الشرق الأوسط الكبير»، وهو يتشكل من دول إسلامية، قد يلح علينا سؤال في غاية الأهمية: لماذا عدد كبير منها، حسب الإحصائيات العالمية، هو الأقل تقدماً ودخلاً وتعليماً وحرية وحقوق إنسان، مع أن الإسلام هو دين العقل والعمل والعلم والحرية؟

قد لا نستطيع الغوص في قاع مجتمعات غير عربية، نتلمس فيه أسباب مشكلاتها وتراجعها، فهي ذات ثقافات مغايرة عنا، لكننا بالقطع مهمومون بعالمنا العربي، وروابطه كثيرة وعميقة: ثقافية وتاريخية ودينية وعرقية ولغوية، وحدود أمنه القومي تكاد تكون واحدة.

باختصار، إذا قصرنا السؤال على عالمنا العربي، قد تزداد دهشتنا إلى حد الصدمة، فهو عالم متنوع الثروات فائق الإمكانات، وحاله العام لا يتفق مع عُشر ما يملك من قدرات بشرية ومادية، فأين يقع ُلب المشكلة؟

قد تتعد الأسباب وتتراكم، لكن في تصوري أن ثمة سبباً ثقافياً شديد التأثير على هذه الحالة العامة، وهو ذاك الصراع الوهمي بين الأصولية والحداثة، وهو صراع طال أمده وزاد على قرنين دون حسم هذا الاشتباك الخاسر بالضرورة، وقد وقعت بداياته في مصر عقب الحملة الفرنسية مباشرة في نهاية القرن الثامن عشر، إذ فوجئ المصريون بعلوم ومعارف غير علوم الشريعة والفقه والحديث والسيرة والبلاغة والنحو والصرف، واكتشفوا تطوراً مذهلاً في معارف قديمة كالعمارة والأسلحة والكيمياء وتنظيم الجيوش.. الخ، ولم يفكروا في الأخذ بها إلا بعد عشر سنوات من اعتلاء محمد علي باشا عرش مصر، حين أرسل بعثات تعليمية متتالية إلى أوروبا، نهلت من تلك المعارف وعادت كما لو أنها خُلْقت من جديد.

هنا قفزت أسئلة مثيرة إلى الساحة: هل نأخذ عن هؤلاء الكفرة علومهم؟! هل هي تهدد ثقافتنا وقيمنا وتقاليدنا وعاداتنا وديننا؟ وانقسم المجتمع قسمين: كثرة تقليدية رافضة بشدة لكل جديد، فكل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وقلة اندفعت بشدة ناحية الغرب ورأت فيه طوق النجاة الوحيد من التخلف والفقر.

وقاد محمد علي باشا الفريق الثاني، وفرض رأيه بقوة السلطة، وتوالت بعثاته إلى الغرب، لكن تأثير هذه البعثات ظل في طبقة رقيقة من طبقات المجتمع ولم يتسرب ما تعلمته إلى «عموم المجتمع»، ولهذا كان سهلاً أن تتجمد تجربة محمد علي بوفاته ولا تكتمل إلى نهايتها كما حدث في اليابان، وقد بدأت اليابان مشوار تحديثها في التوقيت نفسه تقريباً، ومشت في طريقها ولا تزال، لأن الصراع الوهمي بين القديم والجديد (الأصولية والحداثة)، لم يكن بالحدة التي كان عليها في الشرق العربي، حيث ظهرت اتجاهات كانت في أصلها ضد التحديث والتجديد «حفاظاً على أصول الدين»، دون أن تسأل نفسها: هل كان الدين والتقاليد العربية مهددة فعلاً أم لا؟

وقد نفهم من عدم اكتمال تجربة محمد علي في مصر وظهور حركات مناقضة لها، أسباب إصرار الزعيم التركي كمال أتاتورك على قطع الصلة بين اللغة العربية وتركيا الحديثة، باستبدال الحرف العربي حرفاً لاتينياً، فيمنع الصراع بين العقل التركي الحديث والأصولية الدينية، وكان يتصور أن هذه الأصولية هي أكبر عائق أمام تحديث تركيا.. ألم يثر رجال الدين الذين قادوا الجماهير الغيورة على دينها لحرق أول مطبعة في إسطنبول طبعت القرآن الكريم، متسائلين: كيف يطبع القرآن المقدس بأحبار سوداء ذات روائح كريهة؟! وهو الاعتراض نفسه الذي حدث في القاهرة حين نشأ أول خط ترام في بدايات القرن العشرين، واعتبروه بدعة مُحدثة ورجساً من عمل الشيطان لإفساد الإنسان.. وقد تكرر هذا النوع من الصدام والتفسيرات في كل الدول العربية تقريباً، بتفاصيل مختلفة.

والحداثة في اللغة مشتقة من فعل «حَدَثَ»، وتعني نقيض القديم، والحداثة هي أول الأمر وابتداؤه، وهي الشباب وأول العمر. ويصف الدكتور مصطفى هدارة الحداثة بأنها: «اتجاه فكري أشد خطورة من الليبرالية والعلمانية والماركسية، وكل ما عرفته البشرية من مذاهب واتجاهات هدامة، لأنها ثورة كاملة على كل ما كان وما هو كائن في المجتمع».

وقد ارتفع هجوم البعض على الحداثة إلى حد التجريح، فقالوا: «نمت الحداثة الغربية وترعرعت في أوحال الرذيلة، ومستنقعات اللا أخلاق، وأينعت ثمارها الخبيثة على أيدي الشيوعيين من أمثال نيرودا، ولوركا، وناظم حكمت، وفتشنكو، والوجوديين أمثال سارتر وسيمون دي بوفوار وألبير كامو، وآتت أكلها على أيدي الجيل المنظر والداعم لها والمحفز على السير في ركابها، من أمثال ألوي أراغون، وهنري لوفيفر، وأوجين جراندال، ورولان بارت، ورومان ياكوبسون، وليفي شتراوس، وبياجيه، وغيرهم كثر».

هذا الصراع يشد الملايين من المسلمين عن استكمال طريق التحديث العقلي، والعقل القديم غير قادر على انتشال أصحابه من مشكلاتهم.. ولن ينصلح الحال دون فك هذا الصدام نهائياً، على غرار ما فعلت اليابان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات