التوطين.. كل عام أنتم بخير

يتخذ البعض من المناسبات المهمة فرصة لمراجعة الذات ومحاسبتها على أدائها العام في فترة مضت. هي محطة مهمة لأنها تتيح لنا فرصة لنستعرض أعمالنا، لنسلط الضوء على النواقص ونتأمل الأخطاء ولنحتفي بإنجازاتنا. الوقفة الدورية إن كانت سنوية على الأقل، يجب أن نتحرى فيها الصدق والشفافية مع أنفسنا، كي نتطور ونتميز ونتفوق في المجال الذي نتحراه.

انطلاقاً من هذا المبدأ، فإن اليوم الوطني ليس مجرد مناسبة للاحتفال فقط، بل هو وقفة مهمة لدولتنا في كل عام، لنتذكر الآباء المؤسسين لهذه الدولة، رحمهم الله، ونستلهم من نهج عملهم الرؤية والطموح والقيم التي كانت لبنة لبناء الوطن، والتي كانت أساساً قوياً وثابتاً لنصل به إلى هذه المكانة العالمية اليوم. هذه المناسبة الوطنية في الثاني من ديسمبر من كل عام، مثالية لتقوم فيها مؤسساتنا بمراجعة نفسها وتدوين إنجازاتها والتعلم من إخفاقاتها أينما كانت.

خلال اجتماع مجلس الوزراء نهاية 2012 في "دار الاتحاد" في دبي، أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن عام 2013 سيكون عاماً للتوطين، لأن المواطن هو المحور الأساسي للوطن، وهو الأولوية الأولى والثانية والثالثة.. الإعلان قوبل باستحسان كبير، حيث تعاهدت المؤسسات على تكاتف جهودها وتضافر أعمالها لزيادة نسبة التوطين فيها، عن طريق إطلاق مبادرات تدعم هذا الهدف.

قضية التوطين ليست مسألة مختصة فقط بدولة الإمارات أو الخليج عموماً، بل مسألة تواجه العالم أجمع، وخاصة الذي يجعل نصب عينيه مصلحة المواطن. معظم الدول استحدثت قوانين وتشريعات تنظم عملية التوطين، وإن لم تكن واضحة وصريحة. وما يزيد من أهمية القضية في الإمارات، هو الخلل في التركيبة السكانية التي جعلت من فئة المواطنين أقلية، حيث تشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن المواطنين يمثلون أقل من 15% من المجموع السكاني في الدولة، وإلى وجود ما يقارب 40.000 فرد إماراتي عاطل عن العمل.

ولا يسعني إلا أن أتساءل عن مدى صعوبة إيجاد وظائف لإخوتي المواطنين، خاصة مع توفر بيئة عمل خصبة ومتجددة بمشاريع وأعمال متنوعة! عندما نعتبر من الأقلية في بلدنا، فهل هو أمر مستحيل ألا نجد مواطناً واحداً عاطلاً؟

التزام بعض المؤسسات بسياسة التوطين، وقامت مؤسسات أخرى بالتلاعب لرفع النسبة بطرق مختلفة، كالاستعاضة عن بعض العمليات المؤسسية وتوكيلها إلى شركات توفر العمالة الوافدة، عن طريق عقود تعهيد لا يتم فيها احتساب عدد الموظفين باعتبارها عقود خدمات لا أكثر، وقام البعض بتوظيف مواطنين دون توفير التدريب والتطوير لهم، مما ساهم في إيجاد بيئة عمل سلبية مشحونة بالامتعاض، وتؤدي في نهاية المطاف إلى تشريد المواطن، أو في حالات أسوأ استمراره في العمل في هذه البيئة كوجه إماراتي يحسب كنسبة في قوائم التوطين لا أكثر!

في خضم هذه التحديات، نجد عقبات منها عدم تعاون الموظفين الوافدين في نقل المعرفة وتدريب الموظف الإماراتي، خوفاً من التهديد الذي يشكله هذا المواطن الذي سيستبدل به الموظف الوافد.

وأيضاً مشكلة أخرى في سقف التوقعات التي يطلبها بعض المواطنين، والتي تظهر بوضوح عند محاولة انخراطهم في القطاع الخاص، الذي يختلف مع القطاع العام في هيكل الرواتب وفي ساعات العمل وأيام الإجازات، مع الاعتقاد السائد بأن العمل في القطاع الخاص يتطلب مجهوداً مضنياً، وفي الوقت ذاته يقوم القطاع الحكومي بتكرار جملة مفادها عدم توفر الشواغر لتعيين المواطنين.

ولكن المضحك المبكي أنه في زيارة واحدة لإحدى تلك المؤسسات الخدمية، ستجد تجمهر الموظفين الوافدين خلف المكاتب. لقد قبلنا بأعذار البعض بأن بعض الوظائف تحتاج إلى خبرات تخصصية لتأديتها على أكمل وجه، ولكن من الواجب علينا أن نقوم بتوطين أكبر نسبة ممكنة من الوظائف الإدارية على الأقل..

تجهيز الكوادر الوطنية لسوق العمل أمر في غاية الأهمية، والخطوة الأولى كما اتفق الجميع، تبدأ من التجهيز العلمي وفهم متطلبات السوق، والتنبؤ الفعلي الصحيح بما تحتاجه المؤسسات.. ولكن أود أن أضيف عاملاً مهماً آخر، ألا وهو الخبرة العملية.

فمع المشاريع المتنوعة التي تقوم الدولة بتنفيذها، ليس هناك أنسب من أن نجهز كوادر إماراتية تتعلم أساسيات العمل في هذه المشاريع منذ بدايتها، سواء كانت مشاريع بناء أو مشاريع تنموية أو اجتماعية أو غيرها. إذا افترضنا أن هناك كادراً من الخريجين يتابعون عمل كل الاستشاريين ومديري المشاريع والقائمين على هذه الأعمال، فإن حصيلة المعلومات والخبرات التي سيجنونها من وراء ذلك ضخمة، إلى جانب إحساسهم بأنهم ساهموا في بناء الدولة.

إن استراتيجية التوطين يجب أن تكون أكثر من نداءات وكلمات منمقة، فالتوطين جزء أساسي من عمل أي مؤسسة تعمل في الدولة. والحل لن يكون في إنشاء أقسام خاصة للتوطين، فهذا من أساسه يجب أن يكون من أولويات القائمين على إدارة الموارد البشرية.

العملية ليست بالتعقيد الذي يرسمه البعض، فإذا قمنا بإحلال بعض الوظائف وأوليناها للمواطنين، وقمنا برسم خطة تطوير خمسية لكل مواطن ترسم له مستقبله الوظيفي، مع كل التدريب الذي يجب إتمامه، فكيف لن نصل لمستوى عال من التوطين؟

مع التراجع الواضح في تطبيق التوطين في بعض المؤسسات، فقد آن أوان إنشاء جهة رقابية تحاسب المؤسسات وتفرض عليها العقوبات إذا لم تقدم أسباباً مقنعة جداً لعدم إحلالها لبعض الوظائف التي يستطيع المواطن الخريج القيام بها، وفي حال تقاعسها عن تقديم خطط تطويرية للمستقبل الوظيفي لكل مواطن وتدرجه في السلم الإداري للمؤسسة. التوطين سيساهم في حل كثير من المشكلات، بداية من الخلل في التركيبة السكانية، إلى إحداث بيئة أمنية واجتماعية وسياسية أفضل. فالتوطين هو سبيلنا للارتقاء والنهضة بسواعد إماراتية، تعمل على دفع عجلة النمو في الدولة.

إن رأسمال دولة الإمارات هم أفرادها، فكما أعطى قادتنا الفرص لكل من يشغل المناصب العليا في مؤسساتنا، فعلى هؤلاء المسؤولين واجب نقل تلك الفرص إلى إخوتهم المواطنين. التوطين شراكة استراتيجية بين الحكومة والمؤسسات والباحثين، وهي معادلة سنقطف ثمارها بمجرد أن نؤمن بقدرة الجيل الجديد على القيام والمشاركة في بناء الوطن..

لقد صدق حكيم العرب ومؤسس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، حين قال: "إن الإنسان يفنى والمال يفنى، ويبقى الوطن وستبقى الأعمال التي قدمناها من أجل الوطن".

طباعة Email
تعليقات

تعليقات