السوريون من مضيفين إلى مشردين

تحتل سوريا موقعاَ وسطاً بين غرب آسيا وشمال إفريقيا وجنوب الأناضول وما وراء الأناضول والقوقاز، وكان شعبها يعتبر نفسه على مدى مراحل التاريخ، جزءاً من البلدان العربية والإسلامية الأخرى وشقيقاً لشعوبها، ويبدو أن هذه الثقافة والتقاليد ورثها منذ العصر الأموي، عصر بناء الإمبراطورية العربية، ولأن ذلك كذلك فقد كانت سوريا، وخاصة على مدى القرنين الماضيين، منطقة جذب واحتضان للمطرودين من بلادهم.

وسواء كانت هجرتهم اختياراً، أم كانت تهجيراً بسبب الاحتلال وقمع الثورات، فإن آلافاَ بل عشرات الآلاف وأحياناَ مئات الآلاف من النازحين والهاربين قدموا إلى سوريا، واستقبلهم الشعب السوري بترحاب، وقدم لهم الحاجات الأولى للعيش والاستقرار حتى يتدبروا شؤونهم.

وقد استقر هؤلاء القادمون من بلادهم في سوريا واندمجوا مع المجتمع السوري، ونالوا الحقوق نفسها التي لهذا الشعب بما فيها الحصول على الجنسية، وأصبحوا نواباً ووزراء ورؤساء وزارات، ولم يسجل أي احتجاج أو تذمر من الشعب السوري تجاه جحافل الوافدين الذين أقاموا في ربوع بلاده، وتشاركوا معه السراء والضراء، من لقمة العيش حتى مقاومة المستعمر.

استقبل السوريون بترحاب وتعاطف الجزائريين بعد فشل ثورة عبد القادر الجزائري في منتصف القرن التاسع عشر، كما استقبلوا دفعة ثانية منهم في آخر القرن بعد ثورتي محمد المقراني وأولاد سيدي الشيخ.

وفي آخر القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين، استقبلوا آلافاً من المغاربة والتونسيين والليبيين أيضاً، وسكن هؤلاء جميعاً في منطقة تقع في قلب دمشق القديمة وصارت حياً كالأحياء الدمشقية الأخرى، وما زال قسم كبير من سكانها من أصول مغاربية. وقد لعب المغاربة (من مختلف أقطار شمال إفريقيا) دورا ًهاماً في نشاطات المجتمع السوري، بما في ذلك النشاطات السياسية والثقافية، وبرز منهم عديدون تسلموا مسؤوليات ثقافية وسياسية في سوريا..

بعد انهيار جيش إبراهيم باشا الذي تآمر عليه الغرب متحالفاً مع الدولة العثمانية، وعودة هذا القائد المصري الكبير إلى مصر، بقي آلاف من جيشه في سوريا، وسكنوا فيها واندمجوا في مجتمعها، وسماهم السوريون "عائلة المصري"، وما زالت هذه العائلة تتواجد في مختلف المحافظات السورية، وخاصة في جنوب سوريا. وفي ستينات القرن التاسع عشر، وبعد فشل ثورة محمد شامل في القوقاز ضد روسيا القيصرية، هاجرت إلى سوريا جموع من الشيشان والشركس وقبائل قوقازية أخرى، فاستقبلهم السوريون بترحاب وسكن معظمهم في حمص ودمشق والجولان، وتماهوا مع المجتمع السوري كمواطنين، وتحملوا مسؤوليات عديدة وساهم بعضهم في النشاط السياسي والعسكري خاصة، وتولوا مناصب هامة وما زالوا يعيشون في سوريا مواطنين سوريين محترمين.

في مطلع القرن العشرين وبعد اضطهاد الدولة العثمانية للأرمن وتهجيرهم من تركيا، وجدوا في سوريا ملجأ آمناً، فعاشوا بين مواطنيها، واكتسبوا جنسيتها وسكنوا حلب ودمشق أساساً، وصار منهم نواب ووزراء، واحترمت حقوقهم القومية والثقافية، وصاروا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السوري. وأخيراَ، حتى الروس البيض الذين هربوا بعد انتصار ثورة أكتوبر، وجدوا ملجأ في شمال شرق سوريا وصاروا سوريين.

من نافل القول أن السوريين استقبلوا اللاجئين الفلسطينيين عام 1948 استقبال الأشقاء، وساعدوهم على بناء مخيمات لهم، ثم أعطوهم كامل حقوق السوريين باستثناء الترشيح والانتخاب، ووصل الفلسطينيون إلى أعلى المراتب الإدارية والعسكرية والثقافية وغيرها، ويتواجد الآن في سوريا نصف مليون فلسطيني (لاجئ).

في عام 2006 وخلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، هاجر نصف مليون لاجئ من لبنان إلى سوريا، فاستقبلهم السوريون وأمنوا لهم جميعاً مأوى، كما أمنوا لهم الغذاء والخدمات الطبية وكل ما يحتاجونه. ولم يشعر اللاجئون اللبنانيون بأي حاجة لأي شيء طوال مدة الحرب وطوال تواجدهم في سوريا، والأمر نفسه لاقاه العراقيون بعد الاحتلال الأمريكي لبلادهم، فاستقبلت سوريا مليونا ونصف مليون عراقي، فتحت مدارسها لأبنائهم ومشافيها لمرضاهم، وأعطتهم حق العمل ولم يشعروا بأنهم في غير بلدهم.

وهكذا كان الشعب السوري دائماً مضيافاً لأشقائه وأصدقائه، يستقبلهم بترحاب ويقدم لهم ما يستطيع لسد حاجاتهم الإنسانية المتعددة، ويرحب بمن يريد منهم أن يبقى في سوريا بعد انتهاء الأحداث في بلده.

في هذه الأيام انقلبت الآية، فأصبح السوريون أنفسهم مشردين في مختلف بقاع الأرض، القسم الأساسي منهم والذي قد يزيد على مليونين، لجأ إلى الأردن ولبنان وتركيا والعراق ومصر، وهام قسم في بلاد الله الواسعة واستقر عند من يقبله، وجميعهم يواجهون الفاقة والإذلال، ويتحملون أعباء مختلف أنواع التضييق والإهانة، حتى أنهم اضطروا للتخلي عن عديد من قيمهم وأنماط سلوكهم ومفاهيمهم العليا، وعملوا ما كانوا يخجلون حتى من ذكر اسمه.

يعلم الله ماذا ستكون عليه آراء السوريين بعد أن تحل أزمتهم ويعودوا إلى بلادهم، وماذا ستكون مواقفهم من القيم القومية والوطنية والسياسية والأخلاقية وعلاقتهم بالأشقاء العرب والمسلمين، ومن الدول الأجنبية التي لجأوا إليها في مختلف أصقاع الأرض!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات