اتحاد الإمارات ـــ أحلام تحولت إلى واقع

يصادف غداً العيد الوطني الثاني والأربعون لدولة الإمارات. الإمارات هذه الأيام ترتدي حلة زاهية وهي تستعد لاستقبال المناسبة الأسعد في تاريخها. ذكرى اليوم الوطني عادة ما تكون مناسبة لاستعادة ذكريات المحاولات الوحدوية التي قام بها على مر التاريخ المعاصر الآباء المؤسسون الذين عملوا بصمت من أجل قيام منظومة اتحادية تلم شمل الإمارات في كيان واحد.

ذكرى قيام الاتحاد تذكرنا بجهود قام بها قبل أكثر من قرن مؤسسون أوائل فكروا منذ ذلك الزمن في تأسيس اتحاد يجمع الإمارات ويحفظ وحدتها ويمثل مصالح شعبها. المحاولات الاتحادية عديدة ولكن ربما تقودنا الذاكرة لتجسد أمامنا صورة محاولة اتحادية قام بها حكام كل من أبوظبي ودبي وأم القيوين في منتصف القرن التاسع عشر لدرء المخاطر ومواجهة الأخطار التي كانت في تلك الفترة تواجه الإمارات.

تلك المحاولة لم يكتب لها النجاح لعدة أسباب منها عدم وجود البنية التحتية والسياسية والاقتصادية اللازمة لاستيعاب مثل هذا الاتحاد، ومنها أيضاً أن المنطقة ككل كانت تحت الحماية البريطانية التي كانت تهيمن على صنع القرار، ولكن يمكن اعتبار تلك المحاولة باكورة المحاولات الوحدوية في المنطقة.

في بداية القرن العشرين وبالتحديد في عام 1906 بعث الشيخ زايد بن خليفة الأول حاكم أبوظبي الأمل مجدداً في وحدة تجمع الإمارات بما عرف "باجتماع الخوانيج"، ولكن تلك المحاولة اصطدمت أيضاً بالأحوال السياسية المتردية وتأزم الأوضاع العالمية وتجمع سحب الحرب العالمية الأولى واهتمام بريطانيا في تلك الفترة بمصالحها الإمبراطورية على حساب مصالح المناطق التي كانت تحت حمايتها. وعلى الرغم من عدم تبلور أي مشروع اتحادي في تلك الفترة أيضا إلا أن الوعي الرسمي والشعبي بأهميته كان في تزايد.

في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين ازدادت الهيمنة الاستعمارية على المنطقة، إلا أن الوعي بأهمية الوحدة كان دائما موجودا على الرغم من كل الصعاب والتحديات. فلم تكن الأوضاع الثقافية المحركة للوعي بالسوء الذي تصوره لنا الوثائق، أو كما كنا نتخيله نحن.

فقد كان الوعي الموجود بين طبقة المثقفين يواكب ما كان موجودا في بعض بلدان الخليج الأخرى وربما أكثر. وربما شهدت منطقة الإمارات صدور أول جريدة في منطقة الخليج العربي عرفت باسم "صوت العصافير"، الأمر الذي يؤكد وجود درجة عالية من الوعي الثقافي المحرك للوعي الوطني والقومي في المنطقة.

في فترة الخمسينيات من القرن العشرين جاء لقاء الحكام في "مجلس حكام الساحل" كفرصة لهم لتبادل الآراء حول أهم القضايا المصيرية التي تواجه الإمارات. وعلى الرغم من الهيمنة البريطانية على المجلس، إلا أن الرغبة في إيجاد منظومة سياسية تلم شمل الإمارات وتحمي مصالح شعبها كانت أقوى من الهيمنة البريطانية.

وسرعان ما أصبح ذلك المجلس المنظومة التي تمثل الإمارات وتتحدث باسمها، واستمر ذلك المجلس يقوم بواجبه حتى قيام الاتحاد وتأسيس المجلس الأعلى ليحل محل مجلس حكام الساحل، وذلك بعد الانسحاب البريطاني من المنطقة.

في عام 1968 جاء قرار بريطانيا التاريخي بالإعلان عن رغبتها في الانسحاب من كافة المناطق الواقعة شرقي السويس. وكان السبب، كما أعلنته حكومة العمال البريطانية الرغبة في تقليص النفقات. خلق ذلك الإعلان حراكاً سياسياً كبيراً في الإمارات وجدلاً سياسياً قوياً في بريطانيا.

ففي الإمارات بعث ذلك الإعلان مجدداً الأمل والرغبة في قيام وحدة تلم شمل الإمارات أعادت الى الأذهان المحاولات الوحدوية السابقة. بالنسبة لبريطانيا فقد جاء الانسحاب كصدمة للبعض، فوصفوا اليوم الذي أعلنت فيه بريطانيا نيتها للانسحاب "بالثلاثاء الأسود". أما الولايات المتحدة فوصفت القرار "بالمتهور".

في الإمارات، على الرغم من بدء مفاوضات قيام الاتحاد منذ عام 1968 وظهور فكرة الاتحاد الثنائي بين أبوظبي ودبي في اجتماع السديرة (السميح) وما تلاه من دعوة الإمارات جميعها للانضمام الى الاتحاد، إلا أن مفاوضات الاتحاد السباعي لم تكن يسيرة.

فقد اصطدمت بعوائق ضخمة كان في إمكانها الإطاحة بفكرة الاتحاد لولا جهود الآباء المؤسسين وإصرارهم على المضي قدماً في سبيل تحويل فكرة الاتحاد الى مشروع حقيقي من أجل صالح المنطقة. وأظهر الآباء المؤسسون من الحكام ورواد الاتحاد صبراً وحكمة تكللت في النهاية بظهور أنجح مشروع وحدوي في العالم العربي في 2 ديسمبر 1971.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات