النجاح له سحر خاص وضريبة تستحق التضحية، والعالم كما يقال يفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين ذاهب. ودبي كان لها موعد بدأته من ٤٢ سنة في طريق طويل امتلكت رؤية واضحة وركزت على التنمية والبناء، فالنجاح لا يولد صدفة، والذين يعتمدون على الحظ فقط رهاناتهم خاسرة.
وتحقيق دبي لشرف تنظيم اكسبو ٢٠٢٠ هو إنجاز مستحق ورصيد يحسب ليس فقط لدولة الامارات بل للخليجين والعرب جميعاً. وفي ظل التفاعل والفرح العربي بانتصار دبي هناك دروس مستفادة من هذه التجربة تعطينا مفاتيح مستقبلية لطريقة صنع الانتصار والتنافس في المحافل الدولية.
أولًا: تكشف هذه التجربة ان الرهان على التنمية وتطوير الانسان وبناء منظومة كاملة من التطوير برؤية استراتيجية واضحة تعطي ثمارها بشكل متوالٍ والنجاح يولد نجاحات اخرى وفي مجالات جديدة. فدبي ركزت على مشروع التنمية اكثر من السياسة واعطت اهتمامها لتحقيق أهداف كبيرة ولكنها امتلكت الارادة لصنع التغيير.
وهذا يعكس فلسفة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يعبر عنها بقوله (إذا كانت العربة هي السياسة والحصان هو الاقتصاد، فيجب وضع الحصان أمام العربة). ولذلك كان الرهان على التنمية وقد صدرت خطة دبي الاستراتيجية 2015 في فبراير عام 2007، وهي توضيح لاتجاهات التنمية في الإمارة. وركزت الخطة على جعل دبي مقصداً أكثر جاذبية للإقامة وتأسيس الشركات.
ومن الأهداف التي ركزت عليها تحسين البنية التحتية والصحة والسلامة والتعليم والتقدم القضائي. كما تهتم الخطة بمعالجة المسائل التي قد تعوق نمو الشركات في المستقبل، مثل الطلب المتزايد على الطاقة والمياه. وهناك متابعة لتنفيذ هذه الخطة انعكس على نمو كبير لإمارة دبي وتدفق المستثمرين والسياح عليها.
ثانياً: تسير دبي وفق منظومة تنمية ضخمة ضمن الكيان الواحد لدولة الإمارات. وقد اقر مجلس الوزراء رؤية الامارات ٢٠٢١ في فبراير ٢٠١٠بهدف تحول الدولة الى احد افضل بلدان العالم. وانطلقت هذه بعد عقد مجلس الوزراء لجلسات عصف ذهني في قصر السراب في منتجع الصحراء وعرضت بشفافية للمواطنين.
وهناك متابعة من قبل الأمانة في مجلس الوزراء لترجمة هذه الرؤية الى واقع. وهذا يعكس ان التنمية لا تبنى على اجتهادات بل هناك استراتيجية واضحة المعالم وتمت مناقشتها ليس فقط من جانب الوزراء والمسؤولين الكبار بل حتى الادارات التنفيذية وكوادرها ناقشت وتعرفت على تفاصيل الخطة في ورش عمل.
وهناك نتائج للدولة تتحقق بشهادة منظمات دولية. والتي كان من أهمها تبوؤها المركز الأول عالمياً في مجال الكفاءة الحكومية، وتحقيق أكبر قفزة بين جميع دول العالم في مجال التنافسية بين الدول حتى وصلت الإمارات للمركز الثامن عالمياً، عدا عن تحقيقها المركز الرابع عالمياً في مجال الأداء الاقتصادي.
ثالثاً: الرؤية الواضحة في التركيز على الجانب السياحي باعتبارها ركناً أساسياً في تنمية واقتصاد دبي. وتم اعتماد رؤية دبي لتطوير القطاع السياحي ٢٠٢٠ التي تهدف للوصول الى ٢٠ مليون سائح ومضاعفة مساهمة القطاع السياحي في الاقتصاد المحلي الى ثلاثة اضعاف الرقم الحالي وصولًا الى ٣٠٠ مليار درهم.
وهذه الأرقام لا تتحقق نتيجة تسويق سياحي، بل هناك رؤية متكاملة من بناء البنية التحتية والتجهيزات الاساسية التي تمكن الامارة من استيعاب هذه الاعداد الضخمة. فمثلاً مطار دبي سافر عبره اكثر من ٥١ مليون مسافر، والذي يتوقع ان يكون الأول عالمياً من حيث حركة المسافرين بحلول ٢٠١٥.
وطيران الامارات تسير في برنامجها لتكون اكبر شركة طيران في العالم والصفقة الاخيرة التي عقدتها في معرض دبي للطيران التي بلغت نحو ٩٩ مليار دولار لشراء ٢٠٠ طائرة كانت حديث العالم والصفقة الأكبر في تاريخ صناعة الطيران.
رابعاً: التخطيط المسبق، فحينما قررت دبي المنافسة على حق تنظيم معرض اكسبو لم تبدأ في نفس العام. وهي مشكلة الربع الساعة الأخيرة في العالم العربي حينما يقررون في آخر لحظة قرارات مهمة تتطلب تخطيطاً مسبقاً. فالملف الاماراتي العمل بدأ عليه منذ سنتين وتم تشكيل فريق احترافي على مستوى عالٍ وكان الملف الاماراتي الأفضل عرضاً رغم ان المنافسة كانت قوية مع دول مهمة، فمدينة ازمير التركية خسرت الدورة السابقة بفارق بسيط عن ميلانو التي ستنظم المعرض المقبل..
كما ان روسيا والبرازيل يمتلكان امكانات هائلة وعلاقات سياسية كبيرة لكن طريقة اعداد الملف والاستعداد المسبق جعل الأمور شبه محسومة لصالح دبي. كما أن ردود فعل الفريق المكلف من المكتب الدولي للمعارض الذي يعمل تقييمات الجدوى للمشروع ودراسة المناخ السياسي والاجتماعي في البلد المرشح كانت ايجابية، وثمنوا تجربة دبي كنموذج متكامل بعد زيارتهم الأخيرة للإمارة.
خامساً: دبي تحتضن اكثر من ٢٠٠ جنسية وتعيش وتعمل هذه الجاليات بتناغم كبير في جو تسامح وانفتاح واحترام الانسان بغض النظر عن ديانته او جنسيته. ورغم هذا العدد الهائل من الجنسيات المختلفة الا أن مستوى الأمن تعتبر واحداً من افضل المدن في العالم ومن بين المدن الأقل في معدل الجرائم. ولكن هذه الدقة الأمنية لا تلمسها في الشارع، فدبي بعيدة عن العسكرة الأمنية ومناظر الجنود المدججين بالبنادق.
ورغم ذلك فهناك متابعة دقيقة لكل ما يجري في المدينة ولكن مع احترام خصوصية الأشخاص وتوجهاتهم. ونظرا لأن دبي تعمل من اجل الانسان المقيم على ارضها وتفتح له آفاق الاستثمار والتوسع فانتماء المقيمين للدولة كبير وملموس ويأتي بعفوية وتلقائية.
سادساً: المبادرات التي تطلقها دبي متعددة وذكية، وآخرها مبادرة دبي لتكون عاصمة الاقتصاد الاسلامي وهي رؤية حصيفة لاقتصاد ضخم ترغب دبي ان تكون المركز الذي يشكل محور ارتكاز لحركة هذه الاقتصاد وهي حالياً تنافس العاصمة البريطانية لندن بقوة وتعد العدة لذلك سواء من ناحية اللوائح والتشريعات او التجهيزات الأساسية. وهناك سلسلة من المبادرات الضخمة بعضها ينجح والآخر قد يتعثر ولكنها تملك هذه الروح القوية من التحدي والإصرار والمثابرة.
سابعاً: تطور الجهاز الحكومي بحث ان الخدمات التي تقدمها الدوائر الحكومية تنافس القطاع الخاص في مستوى الخدمة والتسهيلات. وتركز حكومة دبي على هذه المشروع بشكل واضح. وتستثمر بشكل كبير في تطوير الكفاءات البشرية وتخصيص كليات للإدارة الحكومية وحتى في مستوى المباني والاستقبال يعطي انطباعاً بأنه مباني لشركات تتنافس في تقديم الخدمات.
والميزة المهمة ان هناك مراقبة على مستوى الأداء ومن الاساليب التي تتبعها دبي المخبر السري الذي يزور الأجهزة كمراجع ويقدم تقاريره الى الحاكم مباشرة ومن خلال هذا الأسلوب استقطب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عناصر وطنية ودعمها ومنحها الفرصة وحققت نجاحات كبيرة. وهذا يعكس رؤيته في أن الحكومة ليست سلطة على الناس..
ولكنها سلطة لخدمة الناس، لذلك فإن مقياس نجاح الحكومة هو رضا المتعاملين معها. والمبادرة الأخيرة لتكون دبي مدينة ذكية، حيث كل الأجهزة الحكومية تقدم خدماتها من خلال الهاتف الجوال هو نقلة جديدة في مستوى الخدمات عالمياً.
ثامناً: الشراكة الذكية بين القطاع الحكومي والخاص في شركات ومؤسسات شبه حكومية وبالتالي اجندتها ليس فقط تحقيق ارباح والنظر للمشاريع بصيغة انتهازية، بل هي شركات تسعى للربح ولكن قبل ذلك تسعى لخدمة الامارة من مشاريع ضخمة واستثمارات هائلة كان من الصعب ان يغامر وحده القطاع الخاص بتبنيها. وهذه المشاريع في نجاحاتها ومبادراتها فتحت الطريق لسيل من الشركات المحلية والعالمية للتوسع والاستثمار بثقة وبتوسع. ويعرض الإماراتيون بذكاء لمستثمرين اجانب صوراً للمشاريع الضخمة وصوراً لنفس المواقع قبل تنفيذ المشروع. وخلاصة الرسالة اننا حينما نلتزم فإننا ننفذ.
تاسعاً: الاستثمار في الكفاءات البشرية فهناك جيل اماراتي يبرز ويساهم في تقديم صورة حضارية لدولة الإمارات. ولا ينحصر هذا الدور فقط في الشباب بل حتى الشابات الاماراتيات قدمن صورة مشرفة للمرأة العربية وكانت معالي ريم الهاشمي وزير الدولة والعضو المنتدب للجنة اكسبو٢٠٢٠ مثالاً حياً على ذلك في تقديمها للملف باقتدار وثقة....
ونشاط معالي الشيخة لبنى القاسمي وزير التنمية والتعاون الدولي. ووجود الوزير الشاب سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية جنباً الى جنب مع سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس اللجنة المكلفة بالملف بالإضافة الى عشرة وزراء في باريس لمتابعة الجلسة الأخيرة لاختيار المدينة الفائزة يقدم صورة جميلة عن مستقبل الامارات.
عاشراً: القيادة في اي مشروع هي التي تصنع الفرق. وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حاكم يملك رؤية واضحة للمستقبل ويؤمن بروح الفريق المبدع، واستطاع ان يتخذ قرارات مهمة واستراتيجية واحياناً في ظروف صعبة. ولكنها كانت السبب في نقلات نوعية ضخمة، فالحياة كما يقال اما ان تكون مغامرة جريئة أو لا شيء.
وهذا الذي جعل التناغم بين هذه الأذرع المختلفة تتكامل لتصبح دبي التجربة النموذجية في التنمية، فمن منطقة صحراوية على ضفاف الخليج الى الحاضنة لأهم المشاريع ذات الأرقام القياسية في العالم. تحتضن أكبر مطار وأكبر ميناء في المنطقة وتقوم ببناء مطار جديد يفترض أن يصبح الأكبر في العالم بقدرة استيعابية تصل إلى 160 مليون مسافر في السنة. كما باتت تحتضن على أرضها أعلى برج في العالم وعدداً من أفخم المراكز التجارية والجزر الاصطناعية،..
وهي تستقطب حالياً حوالي عشرة ملايين سائح في السنة. ليأتي معرض اكسبو كدليل تأكيدي على بعد نظر القيادة، وان الارادة تصنع المستحيل، وكما يقول صاحب السمو الشيخ محمد (لا مكان لكلمة مستحيل في قاموس القيادة، ومهما كانت الصعوبات كبيرة فإن الإيمان والعزيمة والإصرار كفيلة بالتغلب عليها).
وهذا ما تعكسه تجربة دبي، فمهما حصلت من كبوات أو عثرات فالإرادة الصلبة والرؤية الواضحة تجعل من هذه الكبوات مجرد محطات عابرة كشاهد على قدرة الإنسان في صنع النجاح، وأن الحياة تعطي جائزتها لمن يستحق في نهاية المطاف.