أيام قليلة تفصلنا عن اليوم الوطني الثاني والأربعين، أيام قليلة وتحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة بأهم حدث في تاريخها، ألا وهو قيام الدولة القومية، والتي هي عبارة عن عصارة جهد وتفكير رموز وطنية أعطت لهذه الأرض أقصى ما يمكن لفرد أن يعطيه، ألا وهو حياتها.
الاحتفال، الذي يحمل شعار "روح الاتحاد" ويرفع معه صورة رموز وشخوص لعبت الدور الأبرز في سبيل إنشاء وتأسيس أنجح تجربة وحدوية عربية عرفها التاريخ العربي المعاصر، يذكرنا دوماً بالتضحيات التي بذلها الآباء المؤسسون لتحويل فكرة الاتحاد إلى حقيقة نعيشها اليوم. عيد الاتحاد هو دائماً فرصة لتذكير الأجيال الجديدة، ليس فقط بما تم إنجازه حتى اليوم من منجز نفتخر به، ولكن أيضاً بما تم إنجازه من منجز معنوي وتضحيات بذلها الآباء المؤسسون لتحويل واقع مر إلى واقع جميل نفتخر به جميعاً اليوم.
الإمارات لم تكن يوماً إمارات متفرقة حتى عندما كانت كذلك، فقد عرفت دوماً على مر عصور التاريخ بمسمى واحد. عرفت باسم الساحل المتصالح، وعرفت باسم الإمارات الشمالية، وساحل عمان، وكأن الاسم يوحدها ولا يفرقها، وكأن القدر حريص منذ البداية على أن يجمعها إن لم يكن تحت سيادة واحدة فتحت اسم واحد.
التاريخ والمصير المشترك وعلائق النسب والوشائج الاجتماعية، جميعها كانت تربط الإمارات برابط قوي قبل أن تربطها السياسة. وعندما جاء الاتحاد جاء بناءً على رغبة شعبية تاريخية مشتركة، لتحويل تلك الوشائج إلى واقع ملموس.
تجربة الإمارات تجربة تعرضت للعديد من التحديات إلى أن أصبحت قابلة للتطبيق. فقد بذل الآباء المؤسسون جهوداً جبارة للتغلب على الكثير من المعوقات السياسية والبنيوية، التي كانت تقف في وجه تأسيس الاتحاد. تلك الجهود والتضحيات يجب أن تقف أمامنا اليوم كحافز يشجعنا على المضي قدماً في حماية المنجز الاتحادي. وهي كذلك فرصة للأجيال الجديدة المحتاجة إلى قدوة ورمز، لتذكيرها بعظمة ما تم إنجازه ولتسير على خطى تلك الرموز والشخوص العظيمة.
إذاً، فاليوم الوطني هو في واقع الأمر مناسبة سنوية لتذكيرنا جميعاً بالصعاب التي تغلب عليها الآباء المؤسسون، لتظهر إلى الوجود هذه التجربة الوحدوية الرائعة. فلم تكن هناك، مثلاً، بنية تحتية تساهم في سهولة التواصل بين الإمارات، ولم تكن هناك وسائل اتصال تجعل وصول الأفكار إلى الناس أمراً سهلاً، بل لم تكن المنطقة كلها تملك من أمرها شيئاً عندما بدأت تفكر في إنشاء وبلورة اتحاد يضمها.
كانت المنطقة لا تزال جزءاً من النفوذ البريطاني، الذي كان يسيّر المنطقة طبقاً لما يراه هو مقبولاً له ولمصالحه. لذا فلا غرو أن تصبح ولادة اتحاد شيئاً غير عادي، فقد ظهرت تجربة الإمارات في وقت لم تكن الأوضاع السياسية في منطقة الخليج .
وفي العالم العربي مواتية لظهور دولة اتحادية، بل كانت كل المؤشرات تشير إلى أن ظهور ذلك الاتحاد سوف يلاقي من الصعوبات ما يجعل ولادته ليست فقط عسيرة، بل وربما تتعرض للإجهاض. ولكن تصميم وعزيمة الآباء المؤسسين جعلت من كل أمر عسير أمراً ممكناً، وعملت في الكثير من الأحيان عكس التيار السائد، وأثبت الآباء المؤسسون أن النوايا الحسنة دائماً ما تثمر أعمالاً حسنة.
صعوبات كهذه يجب أن نشرحها مراراً للأجيال الجديدة، حتى تدرك أن ما هي فيه اليوم لم يأت من فراغ ولم يأت بسهولة، وإنما جاء نتيجة عمل دؤوب وتصميم كبير، وإرادة قهرت المستحيل لكي تنعم الأجيال الجديدة بالأمن والأمان والرفاهية التي حرم منها الجيل القديم. ما يجب أن يدركه الجيل الجديد، هو أن ما توفره الدولة اليوم من امتيازات للمواطن إنما هو نتاج عمل دؤوب قام به جيل الآباء المؤسسين، وعملوا على استمراريته وإيصاله لهم.
يجب أن تتعرف الأجيال الجديدة على جهود غيرها من الذين عملوا في صمت على رفع راية الاتحاد عالياً، ويجب أن تدرك الأجيال الجديدة أن لها امتيازات وعليها أيضاً مسؤوليات، لكي تتحمل نصيبها من الحمل. فهي الآن ترتع في عز الاتحاد، ولكن عليها واجبات يجب تذكيرها بها ألا وهي: أن الرفاهية التي عمل الآباء المؤسسون على إيصالها لهم يجب أن يعملوا هم على إيصالها للجيل الذي يليهم، وأن الاتحاد هو غاية كل فرد إماراتي، ولذا تعد المحافظة على المنجز الإماراتي مسؤولية كل فرد صغيراً كان أم كبيراً.
لقد خلف لنا الآباء المؤسسون دولة نعتز اليوم بالانتماء إليها، دولة "ترسم في كل يوم بقعة ضوء على خريطة العالم"، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.. دولة يشار لها بالبنان في كل محفل، دولة تستحق منا أن نبذل الغالي والنفيس في سبيل الدفاع والذود عنها، ليس فقط في ميادين الحرب والقتال، ولكن في كل محفل سلمي حضاري أو ثقافي. بهذا نكون قد أكملنا عمل الآباء المؤسسين، وأوفينا قليلاً مما أعطاه لنا الاتحاد.