قبل ثلاثة أعوام كاملة من موعد الاقتراع العام، انطلق قطار الانتخابات الرئاسية الأميركية وبدأت تتضح بعض الشيء ملامح الخريطة السياسية وأسماء المرشحين. فالانتخابات المحلية التي أجريت بداية الشهر الجاري لمناصب مختلفة في المدن والولايات، كشفت عن ما يدور داخل كل حزب مما قد يؤثر على فرصه الانتخابية.

ولعل أهم ما أسفرت عنه نتائج تلك الانتخابات، هو أنها كشفت عن أن موقف الحزب الجمهوري لم يتغير كثيرا عن انتخابات 2012 حين مني بهزيمة مدوية. فباستثناء الفوز الساحق الذي حققه الجمهوري كريس كريستي في إعادة انتخابه حاكما لولاية نيوجرسي، مني الجمهوريون بعدد من الهزائم، كان أهمها منصب حاكم ولاية فيرجينيا المحافظة بطبعها، خصوصا في مناطقها الريفية. بل أكثر من ذلك، فقد أكد فوز كريستي من جديد على طبيعة المشكلة التي يعاني منها الحزب الجمهوري.

فكريستي فاز بنسبة معتبرة من أصوات الأقليات، التي استعداها كلها الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وكلفه ذلك كثيرا. ففي 2012، حصل الحزب الجمهوري على أغلبية أصوات البيض، بينما استعدى الأقليات. ورغم أن تلك كانت استراتيجية الحزب الجمهوري لعقود، إلا أنها لم تعد مجدية بسبب التحول الديمغرافي الذي تشهده البلاد، والذي سيصبح معه البيض أقلية في غضون عقود قليلة.

فبينما لم يحصل ميت رومني المرشح الجمهوري للرئاسة في 2012 إلا على 6% فقط من أصوات السود، فاز بحوالي 21% من أصواتهم. وفي الوقت الذي لم يحصل رومني إلا على 27% من أصوات الأميركيين من أصل لاتيني، فقد حصل كريستي على 51% من أصواتهم، الأمر الذي يؤكد أن الحزب الجمهوري ليس بإمكانه الفوز إذا ما استمرت مواقفه الحالية المغالية في يمينيتها، والتي لم تستعدِ فقط الأقليات العرقية والإثنية، وإنما استعدت قطاعات واسعة من النساء والشباب.

لكن يبدو أن الحزب الجمهوري لم يستعد حتى الآن لمواجهة ذلك التحدي الرئيسي. على العكس، عمقت الانتخابات من الخلافات داخل الحزب، بين تيار حفل الشاي والتيار التقليدي المحافظ الأقل تطرفا. وحركة حفل الشاي، التي تمثل خليطا من اليمين الديني واليمين المعادي لدور الدولة في الاقتصاد، لا تزال ترفض الواقع وتزعم أن فوز الجمهوريين لن يحدث إلا عبر اتخاذ مواقف أكثر يمينية وليس العكس، بينما التيار التقليدي صار يدرك بوضوح أن الحزب يغرق في هوة عميقة بسبب الانحراف مزيدا نحو اليمين، مما تسبب في هزائمه الانتخابية المختلفة.

ورغم أن كريستي يميني بأكثر مما يريد الإعلام الأميركي الاعتراف به، إلا أنه استطاع أن يحتوي الأقليات ولا يستعديها، وهو ما يمثل دليلا يصب في مصلحة التيار التقليدي في الحزب الجمهوري. لكن تيار حفل الشاي استغل هزيمة الجمهوري كين سوسينيللي لمنصب حاكم الولاية بفارق ضئيل، ليؤكد على وجهة نظره ويزعم أن الهزيمة جاءت بسبب تخلي الحزب عن تمويل مرشحه في المرحلة الأخيرة، لا بسبب مواقف الأخير اليمينية.

والواضح أن المعركة داخل الحزب والتي وصلت لاتهامات متبادلة، لن تنتهي سريعا، خصوصا لأن عددا من مرشحي الحزب للرئاسة برزوا بالفعل على الساحة، وعلى رأسهم كريستي بالمناسبة. فأولئك المرشحون المنتمون لتيارات مختلفة داخل الحزب، يسعى كل منها لبناء شعبيته مبكرا، الأمر الذي يضمن تأجيج النزاع داخل الحزب، وقد حدث ذلك بالفعل فور أن تصدر فوز كريستي وسائل الإعلام.

فقد قفز راند بول، المرشح المحتمل، فجأة إلى الحلبة ليوجه انتقادات حادة لكريستي، بسبب استخدامه للأموال المخصصة للإغاثة بعد إعصار ساندي العام الماضي، لإنتاج إعلانات تليفزيونية كان يظهر فيها كريستي. ومن المنتظر أن تتوالى الانتقادات بين كريستي وبول، فضلا عن مرشحين محتملين آخرين، هما السناتور تيد كروز المنتمي لحركة حفل الشاي والذي كان البطل الرئيسي في إجبار الحكومة الفيدرالية على إغلاق أبوابها، فضلا عن السيناتور مارك روبيو الذي لا يقل يمينية عن الأخير.

غير أن أهم ما أسفرت عنه الانتخابات الأخيرة، هو أنها أكدت على واحد من أهم أوجه التشابه بين الحزبين. فباستثناء عمدة نيويورك التقدمي الجديد، فإن كل الفائزين، سواء كانوا من الجمهوريين أو من الديمقراطيين، يحصلون على تمويل ودعم وول ستريت ورجال الأعمال والشركات العملاقة. فالحزبان صارا أسيرين لجماعات المصالح القوية، وعلى رأسها مصالح رجال المال والأعمال.

ومن هنا تحديدا تأتي أهمية الترشيحات داخل الحزب الديمقراطي. فمن الواضح أن هيلاري كلينتون تنوي الترشح للرئاسة، إلا أن السؤال الكبير هو ما إذا كانت السيناتور إليزابيث وارن سترشح نفسها للمنصب لتنافس هيلاري كلينتون. فبينما تشبه كلينتون أولئك الديمقراطيين والجمهوريين الذين يحظون بدعم وتمويل وول ستريت والشركات العملاقة، تنتمي وارين للجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، وهي بذلك أقرب كثيرا لقواعد الحزب من كلينتون، وهي كما قال أحد المراقبين، تجسد كل ما كان التقدميون في الحزب الديمقراطي يأملونه من أوباما وخذلهم.

ومن هنا، فإننا إزاء حزبين، أولهما، الحزب الجمهورى، يزداد انحرافا نحو اليمين، وثانيهما الديمقراطي يقف في يمين الوسط منذ التسعينات، ويزداد الشبه بين الحزبين في العلاقة بوول ستريت. ومن هنا، فإن السؤال الأهم في تلك المرحلة المبكرة للغاية قبل انتخابات 2016، هو ما إذا كان الحزب الديمقراطي على استعداد لدعم مرشحين تقدميين للمناصب المختلفة! الإجابة، في تقديري، ستظهر أولى مؤشراتها عشية انتخابات 2014 التشريعية، أي بعد عام بالضبط من الآن.