تكاد تكتمل حكاية إبريق الزيت التي، في العادة، لا تكتمل. العرب لا يحبون الاكتمال إلا بمزيد من النقصان، وإلا كيف نفسر فشلهم طيلة عقود ما بعد الاستعمار، في تحقيق الحد الأدنى من الوحدة وبينهم كل هذه الروابط الطبيعية من جغرافيا وتاريخ ولغة ودين؟! وهي أكثر قربا مما يربط ولايات أميركا ودول أوروبا، وحتى جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقاً!
في تلك المرحلة، حيث الأرض تقف على قرنين، كان العرب قسمين، قسم مع الاتحاد السوفييتي إلى حد التماهي، بحيث كما كانوا يقولون "كلما أمطرت في موسكو رفع حلفاؤهم العرب مظلاتهم في عواصمهم"! وقسم مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة، فكانت واشنطن مربط خيلهم ويضبطون ساعاتهم حسب بيغ بن.
ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وجد عرب السوفييت أنفسهم بلا مظلات، وعرب الغرب بلا توقيت ولا مغيث، بل في قبضة تجار السلاح والسلام، ليخوضوا حروباً ليست في الحقيقة حروبهم، ويدفعوا ثمن السلام والاستقرار مزيدا من اللاسلام واللااستقرار.
في تلك المرحلة من الحرب الباردة، كان العدو المفترض لعرب موسكو هو "الامبريالية"، ولعرب الغرب هو "الشيوعية". لكن لم يحدث أن اجتاحت الإمبريالية أرضا عربية، ولا احتلت الشيوعية بحراً ولا دولة عربية. كان مجرد استنزاف للطاقات والثروات، وتقسيماً للعرب منعا لوحدتهم بأي شكل، سوى الجامعة التي لم تجمعهم إلا في مؤتمرات يجف حبر اتفاقاتها في صالات الشرف للمغادرين في المطارات!
بعد أربعة عقود من توحد العرب قسراً، كما توحد العالم تحت هيمنة القوة الوحيدة الكبرى إثر انهيار الاتحاد السوفييتي شرقاً وأصبح كله غربا، يعودون اليوم مرة أخرى إلى الشرق لنفس السبب وعلى نفس الطريق الذي سلكوه في الستينات، حين رفضت أميركا مساعدة مصر في بناء السد العالي على النيل، وما استتبع تلك التحويلة من صفقات أسلحة وتعاون اقتصادي ومالي وصناعي وحتى ثقافي. فها هي القاهرة تستقبل وزيري الخارجية والدفاع الروسيين، وتتحدث بعض الروسية التي ما زالت تتقنها منذ كان المبتعثون يدرسونها في معاهد لينينغراد وموسكو ومدن الفولغا، والروس يتحدثون العربية بلكنة مصرية كإحدى نتائج التعاون الماضي، ويتعلمونها في معاهد القاهرة ودمشق وبيروت.
ما الذي دفع إلى هذا التحول؟ ومن مهد له؟ ولماذا؟
يبدو أن الأمر مقصود، والسياسة لا تفسر بحسن النوايا. وبسوء نية تطرح مجموعة أسئلة نفسها هنا:
كيف استدارت السياسة الأميركية 180 درجة ومدت يدها للإسلاميين في المنطقة وتحديدا في مصر، الدولة العربية الكبرى التي انطلق منها ما سمي قطار السلام في اتجاه إسرائيل، فيما كانت تصنفهم كإرهابيين؟ وكان يكفي بعد تفجيري 11 سبتمبر/ أيلول في نيويورك وواشنطن، أن يكون اسمك محمداً أو سحنتك سمراء، ليتم توقيفك في المطارات وعيون المفتشين تقول لك؛ انتظر أيها الإرهابي! وقد سعى بعض منظري السياسات الغربية لإحلال الإسلام كعدو بديل للشيوعية التي اندثرت بزوال الاتحاد السوفييتي، ونجحوا إلى حد كبير في تأليب شعوبهم ضد الإسلام.
لماذا تخلصت أميركا فجأة من أخلص حلفائها العرب، وبنفس الطريقة الدراماتيكية تقريباً، من خلال ثورات ثبت أنها كرنفالية أشبه بحفلات التخفي؟
لماذا ظلت أميركا تقوم بدور العراب الذي يجلس في كرسي وثير، ولا يتدخل إلا في اللحظة الحاسمة مستخدما رجاله، لا يديه، كما حصل في معظم "الثورات" العربية؟ ونعني برجاله دول الناتو وبعض الدول التي تنفذ الأوامر أو لها مصلحة ما.
ما سر التحول الإيجابي المفاجئ في العلاقات الأميركية الغربية مع إيران؟
هنا تحديدا يكمن سر كل ما ذكرنا سابقاً.. التاريخ يعيد نفسه والجغرافيا شاهد عليه. فالمنطقة العربية على مدى عمرها بين فكي الغرب من جهة والشرق من جهة أخرى؛ التتار والمغول والصليبيون، الاستعمار الحديث والشاهنشاهية الفارسية.
العالم العربي مهيأ الآن، وببركة "الربيع"، لأي مخطط يبعده عن الوحدة ويقربه من الهاوية.
ليذهب العرب إلى موسكو.. فهي لها دور في إدارة العجلة التي يتعلق العرب عليها خوفا من السقوط. ولينتظر العرب أربعة عقود أخرى نصفهم شرق ونصفهم غرب، وهم.. لا شيء!