شد انتباهي، الأسبوع الماضي، إعلان لإحدى الدوائر المحلية، تبحث فيه عن "أخصائي توطين" يقوم بإعداد وتطوير سياسات ومنهجيات وخطط عمل شاملة وموضوعية، تهدف إلى توطين الوظائف في الدائرة، من خلال تنفيذ حزمة من الإجراءات الرامية إلى جذب الكفاءات الوطنية، وتوفير فرص عمل مستدامة لها.
ويفصل الإعلان الواجبات والمسؤوليات الرئيسية للوظيفة في 8 بنود، ويشترط في من يتقدم لها أن يحمل شهادة "الدكتوراه" مع خبرة 3 سنوات، أو "الماجستير" مع خبرة 6 سنوات، أو "البكالوريوس" مع خبرة 9 سنوات، ولا يشترط أن يحمل المتقدم لشغل الوظيفة جنسية الإمارات، كما اعتدنا أن نرى في إعلانات بعض الوظائف، الأمر الذي يفهم منه أنها مفتوحة لكل الجنسيات.
كنت إلى وقت قريب أعتقد أن مسمى "أخصائي" مقصور على الأطباء فقط، مثل "أخصائي الأنف والأذن والحنجرة"، و"أخصائي الأمراض الباطنية"، وغيرهما من الأخصائيين الذين نرى أسماءهم في العيادات والمستشفيات عادة، حتى رأيت الإعلان المذكور فاكتشفت أن معلوماتي قديمة..
قد أكل عليها الدهر وشرب ونام، وأن أموراً قد استجدت، جعلتنا بحاجة إلى أخصائيين جدد، لأن واقعاً جديداً قد نشأ، نتيجة سوء تخطيط قديم ارتكبناه جميعاً، رغم كل التحذيرات والنداءات التي كنا نسمعها، ورغم كل الأرقام والإحصاءات التي كنا نقرؤها ونمر عليها مرور الكرام، ثم نعود إلى ممارسة حياتنا، وكأن شيئاً لا يحدث أمام أعيننا، ويغير الواقع من حولنا.
الإعلان عن الحاجة إلى أخصائي توطين، في رأيي، صرخة يجب أن نشكر عليها الدائرة المحلية التي أطلقتها في شكل إعلان عن وظيفة شاغرة. وهي صرخة تأتي في الوقت الذي كشفت فيه "الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية" أن بعض الجهات الاتحادية تتحايل في توظيف غير المواطنين، من خلال بند عقود الخبراء الاستشاريين بالميزانية...
وإبرام عقود خاصة موثقة مع شركات خارجية، وفق ما جاء في تقرير اللجنة المؤقتة لمناقشة موضوع "التوطين في القطاعين الحكومي والخاص" بالمجلس الوطني الاتحادي، والذي رفعته إلى المجلس لمناقشته في جلسة يوم غد الثلاثاء، بعد أن لاحظت انخفاض نسب التوطين في بعض الوزارات والهيئات الاتحادية التي بحاجة إلى وظائف تخصصية، خاصة في وزارتي الصحة والتربية والتعليم، والهيئة الاتحادية للكهرباء، ومؤسسات التعليم العالي.
"أخصائي توطين" في رأيي ليست وظيفة شاغرة، ولا يجب أن تكون كذلك، لأنها وظيفة كل وزير ووكيل وزارة ومدير دائرة محلية، وهي البند الأول من بنود الواجبات والمسؤوليات الرئيسية لهؤلاء المسؤولين الذين يجلسون على قمة الهرم الإداري والوظيفي في أي وزارة اتحادية أو دائرة محلية، بل إنها المهمة الأولى من المهام التي يجب أن توضع في التوصيف الوظيفي لكل مدير إدارة ورئيس قسم وموظف في كل وزارة ودائرة..
قبل قيام الدولة وبعد قيامها، لأن الوضع الطبيعي لأي بلد هو أن يوفر فرص العمل لأبنائه، وأن يبنى وينهض بسواعدهم. وإذا كانت الظروف قد دعت قبل أربعة عقود إلى الاستعانة بسواعد وجهود بعض الأشقاء والأصدقاء لبناء هذا البلد، فإن هذه الظروف قد تغيرت بعد أربعة عقود من الاستثمار في بناء الإنسان والمكان..
وهي تتغير يوماً بعد يوم في ظل الزيادة المتنامية لعدد أبناء الإمارات، والتطور الهائل الذي حدث في قطاع التعليم بمختلف مراحله، فأصبح يضخ أعداداً كبيرة من الخريجين المواطنين كل عام، وفي ظل الدراسات المبنية على الحقائق الموجودة على الأرض الآن..
والتي تقول إن وتيرة إجمالي القوى العاملة الوطنية تقدر بنحو 15 ألف متوسط سنوي خلال الفترة من 2011 إلى 2020، ونحو 20 ألف متوسط سنوي خلال الفترة من 2021 وحتى 2030، وبالتالي ستبقى أعداد كبيرة من الباحثين الجدد عن عمل، إضافة إلى العاطلين حالياً، خارج نطاق استيعاب القطاع الحكومي.
"أخصائي توطين" في رأيي يجب أن تكون وظيفة كل مواطن صاحب شركة أو مؤسسة تجارية، مهما كان حجمها، لأنه ما لم تتضافر جهود القطاع الوطني الخاص مع جهود الحكوم..
فإن كل المحاولات التي تقوم بها الجهات الحكومية، اتحادية كانت أم خاصة، سوف تذهب سدى، لأن القطاع الحكومي وحده غير قادر على استيعاب أعداد المواطنين العاطلين عن العمل حالياً، ناهيك عن أولئك الذين من المتوقع أن ينضموا إلى الأعداد الموجودة حالياً من الباحثين عن العمل الذين يحملون أوراقهم وملفاتهم كل عام إلى معارض التوظيف، ويعود الجزء الأكبر منهم خائباً في انتظار المعرض التالي.
"أخصائي توطين" في رأيي يجب أن تكون وظيفة المشرِّع الإماراتي الذي يضع القوانين لسوق العمل في الإمارات؛ هذه السوق التي تستوعب الباحثين عن عمل من كل جنسيات الدنيا، وتعجز عن استيعاب بضعة آلاف من مواطني الإمارات الذين نخشى أن يتحولوا إلى مصدر إزعاج وقلق، ما لم يتم استيعابهم وإيجاد الوظائف المناسبة لهم، كي لا تسد أبواب الرزق في وجوههم.
"أخصائي توطين" يجب أن تكون وظيفة رئيس المجلس الوطني الاتحادي وكل عضو من أعضاء المجلس الذين يشعرون بنبض الشعب، وينقلونه إلى الحكومة، والذين من المفترض أن يناقشوا هذا الموضوع في جلسة الغد، كما جاء في الأخبار.
مطلوب "أخصائي توطين" إعلان توقعت أن أجده منشوراً في صحفنا ومجلاتنا الصادرة قبل أربعين عاماً، وأنا أبحث في أرشيف صحافتنا المحلية، وهو إعلان أتمنى أن لا يراه أبناؤنا وأحفادنا وهم يبحثون في الوسائل التي سيستخدمونها بعد أربعين عاماً، عندما يصبح "إنستغرام" و"تويتر" و"فيسبوك" و"كيك" من وسائل التواصل الاجتماعي التي عفا عليها الزمن، وغدت جزءاً من التاريخ.