لا شك بأن وضع المرأة العربية  قد تأثر تأثرا كبيرا بالأحداث الاخيرة التي مر بها العالم العربي. فصعود الاسلام السياسي والافكار المتطرفة والرجعية التي راجت والتي ترجع في الواقع الى الخواء الفكري الذي اصاب ليس فقط التيارات والافكار الاخرى بل الذهنية الاجتماعية للبعض قد أثر تأثيرا كبيرا على وضع المرأة ومكانتها والمكاسب التي حققتها خلال العقود الماضية. فظهرت ونحن في منتصف العقد الثاني من الالفية الثالثة أفكار رجعية تناقض ما دعا اليه رواد الحداثة والتنوير في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. فأفكار التطرف تلك..

والتي تبدي هوسا بالمرأة وكأن المرأة هي الطرف المعاكس للمرآة التي تبدو فيها صورة المجتمعات العربية وبوادر انحلالها وتخلفها قد أثرت على صورة المرأة اجمالا وظهر من يؤيد فكرة دفع المرأة للوراء وخلف الستار. وبالتالي بلورت تلك التيارات صورة غير حقيقية للمرأة نراها اليوم  وقد بدأت تأخذ لها حيزا  في عالم السياسة..

وفي الاعلام وفي الفضاء العام في مجمله. وبدأ ما يمكن أن نسميه فكرة "تدجين المرأة" ودفعها للوراء والى المنزل تحديدا وخلف نقاب. وعادت فكرة عزل الجنسين تظهر مجددا وكأنها الستار العازل بين عالمين: عالم الذكور وعالم الاناث العالم الفاضل وعالم الانحلال. أفكار كثيرة راجت وشجعت فكرة تدجين المرأة وعودتها مجددا الى فترة ما قبل حقب التنوير.

  والأغرب من ذلك أن مروجيها هم من الجيل الجديد أو الشاب والذي عاني هو نفسه الامرين من شيوع أفكار التخلف والهيمنة  والجمود الفكري قبل أحداث الربيع العربي فأصبح الجيل الشاب هو من يتبنى فكرة تدجين المرأة تماما كما تقبل من قبل الكثير من الافكار المتطرفة والرجعية وكأنه لم يكن هو نفسه المسؤول عن التغير الجذري الذي أصاب الثقافة العربية وسبب الاحداث والتقلبات التي قادت الى الربيع العربي. 

ويمكن ارجاع هذا الجمود او الخواء في الفكر الى الفراغ الفكري والسياسي الذي يعاني منه بعض من أفراد الجيل الشاب والذي خلق في واقع الامر فجوة ما بين أفكار الجيل التنويري القديم والجيل الشاب المتطرف وهي أفكار أول ما تطال المرأة.

هذه الفوهة العميقة التي تفصل اليوم بين ما دعا اليه مفكرو الحداثة والتنوير وبين بعض الافكار المتطرفة والاصولية والتي يعتنقها الجيل  الشاب تدعو الى التأمل والتفكير في الاسباب التي دفعت بالذهنية العربية خاصة بما يختص بالمرأة الى الوراء وليس الى الامام.  ربما يكون التغريب والانفتاح هما أول سبب خاصة عندما نقارن بين الافكار التي تبناها قاسم أمين  والمختصة بتحرير المرأة وظهور امرأة جديدة وبين ما يتبناه البعض اليوم.

ولكن مصطلح رواد الحداثة والتنوير لا ينطبق فقط على قاسم أمين أو افكار تحرير المرأة  التي تبناها ولكن على عدد من المفكرين والتنويرين من أمثال محمد عبده وطه حسين وغيرهم من كبار المفكرين الذين سكنوا ليس فقط بحقوق المرأة بل بهاجس الامة ونهضتها وكسر القيود الاجتماعية البالية. 

  فتاريخنا العربي مليء بنماذج رائعة لمفكرين رواد في مجالهم أتوا بأفكار حداثية اقتصادية واجتماعية كان الهدف منها نهضة المجتمعات العربية من كافة النواحي وليس فقط الاوضاع الاجتماعية والذي يعد وضع المرأة جزءا منها. لذا  فليس من العدل وضع جميع رواد الحداثة في خانة واحدة ومحاكمتهم بسبب عدم اتفاقنا مع رأي أو آراء أحدهم. كما أنه ليس من العدل عقد مقاربة بين المرأة العربية الحديثة وبين نظيراتها في البلدان الغربية بسبب اختلاف ظروف التنشئة والخلفية التاريخية والظروف الاجتماعية والعقدية وغيرها من الفروق. 

ولكن السؤال الذي يتبادر الى الاذهان الآن هو هل يمكن فصل واقع المرأة عن واقع ووضع المجتمعات العربية التي تعيش فيها. فالمجتمعات العربية منقسمة على نفسها بما يختص بالحداثة. فهي من ناحية متلهفة للحاق بركب الحضارة الغربية المادية بكل جوانبها الحداثية والتحولية.

ومن ناحية أخرى فهي تبدي تخوفا كبيرا من تأثير تلك الحداثة على الجوانب القيمية والاخلاقية في المجتمع. وبما أن واقع المرأة العربية هو جزء من واقع المجتمعات العربية لذا يصبح من الصعب فصل الاثنين عن بعضهما البعض. فالمرأة العربية هي نتاج التنشئة الاجتماعية وهي عجينة سهلة شكلتها ظروف المجتمع وعاداته وتقاليده وهي بالتالي امرأة خضعت لظروف مجتمعية وسياسية وعقدية أثرت كثيرا على تطورها وعلى الافكار التي تبلورت عنها.

ولكن على الرغم من هذا كله الا أن المرأة العربية أيضا امرأة عركتها الظروف المجتمعية وخلقت منها امرأة مختلفة كل الاختلاف عن مثيلاتها في بقاع أخرى من العالم. فهي امرأة مختلفة مثلا عن المرأة الاوروبية لأن كليهما نتاج بيئة وظروف مختلفة. وبالتالي فإن التخوف من تأثيرات الحداثة قد لا يكون في محله. يبقي السؤال الأهم وهو هل تستطيع المجتمعات العربية الصمود طويلا أمام التيارات المتناقضة التي تجوب فيها ولمن الغلبة في النهاية؟