تربط دولة الإمارات بالجمهورية الإسلامية في إيران علاقات تاريخية قوية وموغلة في القدم، فتاريخ العلاقات بين الطرفين عمره أكثر من ألفي عام، وذلك عندما حدثت هجرة عربية من السواحل العربية..
واستقرت على السواحل الشرقية للخليج، وأقامت هناك في كيانات سياسية عمرت طويلاً، كما أن هناك علاقات اقتصادية قوية تربط بين الطرفين، وهي تشهد تطوراً ونمواً يوماً بعد يوم، إضافة إلى الثقافة المشتركة والمشتقة من الدين الإسلامي الذى يجمع بين الشعبين.
ولا شك في أن علاقات الجوار هذه قد تأثرت خلال القرون والعقود الماضية بأحداث إقليمية ودولية متعددة، رمت بظلالها الكثيفة على العلاقات بين الطرفين، ولكن على الرغم من هذا فإن علاقات التعاون والمصالح المشتركة بين الإمارات وإيران، لم تتأثر كثيراً، خاصة أن كلا الطرفين يرغب فعلا في إقامة علاقات سوية قائمة على مبدأ حسن الجوار والاحترام المتبادل، اعتماداً على المصالح المشتركة التي تربط البلدين.
تحقيق أهداف السياسة الخارجية لأي دولة، يعتمد على عدة وسائل حسب إمكاناتها وقدراتها وظروف الزمان الذي تعيش فيه. ولعل السؤال الأبرز الذي يظهر هنا حول أهم مقومات القوة التي تستخدمها الدول في علاقاتها الخارجية ومع دول الجوار خاصة: هل هي القوة العسكرية أو الأيدلوجية، الاقتصادية أم الدبلوماسية ؟
ولعل الإجابة عن هذا السؤال يكمن في أن بعض الدول قادرة على استخدام جميع هذه الأساليب والأدوات، ولكنها تفضل اللجوء إلى استخدام الدبلوماسية، لما لهذه السياسة السلمية الهادفة من منافع لكافة الأطراف.
المتتبع لسياسية الإمارات الخارجية عبر العقود الأربعة الماضية يرى أنها قائمة على الدبلوماسية والحياد الإيجابي، والأداة الأكثر استخداماً، هي في الواقع ما يسمى "الدبلوماسية الهادئة". وبما أن الدبلوماسية هي الأداة الأكثر فعالية في تحقيق أهداف السياسات الخارجية للدول، لذا اعتمدت الإمارات اكثر وأكثر على تلك السياسة لتحقيق أهدافها الخارجية وحل الإشكاليات الدولية.
وبما أن الدبلوماسية هي في الواقع عملية التمثيل والتفاوض، لذا تبنت الإمارات هذا النهج في علاقاتها مع إيران، خاصة بما يختص بملف الجزر المحتلة الثلاث، التي دخل النزاع عليها عقده الخامس من دون بادرة حل يرضي جميع الأطراف.
دستور دولة الإمارات في مرتكزاته للسياسية الوطنية والعربية والدولية أكد أن أحد أهداف قيام الاتحاد، هو إنشاء روابط أوثق بين الإمارات وكافة الدول الصديقة على أساس الاحترام المتبادل وتبادل المصالح والمنافع، وانطلاقاً من هذه المبادئ..
فقد ارتبطت الإمارات دبلوماسياً بالعديد من الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، التي تهدف إلى إرساء سبل السلام وحل الأزمات إقليمياً وعربياً ودولياً. وانطلاقا من مبدأ تعزيز السلام العالمي مع جميع الدول على أساس الاحترام المتبادل، ورعاية المصالح المشروعة للجميع تؤمن دولة الإمارات بسياسة عدم الانحياز..
وهي عضو نشط في منظمة عدم الانحياز، التي تهدف إلى تخفيف التوتر العالمي، وإبعاد المنطقة عن تدخل القوة الكبرى. لذا، ومنذ احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، والإمارات تدعو إلى حل النزاع بالتفاوض كونه الوسيلة الأفضل، وهو وسيلة دبلوماسية جيدة.
ولهذا فقد دعت الإمارات إلى انتهاج هذه الوسيلة حول الجزر المحتلة، رغبة منها في إيجاد حل سلمي، يحفظ مصالح الطرفين، إضافة إلى الحفاظ على السلم في المنطقة وفي العالم أجمع، وعندما اصطدمت الإمارات بالرفض الإيراني لجأت إلى الأمم المتحدة.
وقد عملت الإمارات مع الأمم المتحدة وعلى مدى اثنين وأربعين عاماً، في سعيها لإقناع الطرف الآخر للجوء لمحكمة العدل الدولية، كونها الطرف الذي يمكنه إيجاد حل دائم للقضية عبر التحكيم أو الجلوس لطاولة المفاوضات. وعلى الرغم من كل الجهود الإماراتية على مدى الأربعة عقود الماضية فإن القضية لا تزال تراوح مكانها، الأمر الذي يعرض ليس فقط العلاقات بين الطرفين للتهديد، ولكن السلم العام في منطقة الخليج والشرق الأوسط بأسره.
إن الإصرار الإيراني على عدم الذهاب لمحكمة العدل الدولية لن يجدي شيئاً إلا تأخير قضية الفصل في النزاع وتدويل القضية، الذي قد يقود إلى تهديد منطقة الخليج بأسرها، وجعلها منطقة ملتهبة تهدد السلم العالمي بأسره، علاوة على ذلك فالتأخير في الفصل في النزاع يهدد مساعي ورغبة الطرفين في الحفاظ على علاقات وجسور سوية للتعاون، قائمة على مبدأ الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة ومبادئ حسن الجوار.
الإمارات يحذوها الأمل في تفوق الحكمة والمصالح المشتركة بعيدة المدى لكلا الطرفين على الرغبات الضيقة والمصالح الأنية، وأن تكلل الجهود السلمية في التوصل إلى حل يرضي طرفي النزاع..
ويتيح لشعوب كلا البلدين الحياة الكريمة التي يتوقان إليها، فالمصالح بعيدة المدى هي من يجب أن يتغلب ويتفوق على كل شيء آخر، إضافة إلى الرغبة المشتركة في الحفاظ على علاقات قوية، وخالية من التعصب والتهديد ومبنية على حسن الجوار والاحترام وتبادل المصالح المشتركة.