منذ بضعة أسابيع والإسرائيليون حائرون؛ متوترون، يتبادلون في تصريحاتهم الرسمية وثرثراتهم ومسامراتهم الشعبية آراء وتوقعات، بشأن ما إن كانوا موشكين على مواجهة انتفاضة فلسطينية ثالثة. وبهذا الخصوص، مازالت ترشح عنهم تشوفات وتوقعات مشوبة بالتباين. بما يبرز أنهم لم يجتمعوا على قلب إجابة واحدة شافية.
مبعث هذا التناظر المستعر خفية وجهرة، ارتفاع منسوب عمليات المقاومة الفلسطينية التي تتعرض لأهداف إسرائيلية؛ بجرأة لم يعهدها الإسرائيليون في السنوات العشر الأخيرة. وهي حقيقة ساقتهم إلى استذكار زمن الانتفاضات الكبرى.
في منتصف أكتوبر الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عن إحباط هجوم مسلح فلسطيني، جراء اكتشاف نفق يخترق الحدود من جهة قطاع غزة. وقد أدى هذا الإفصاح إلى إزعاج الأوساط الأمنية والحزبية كافة في إسرائيل، باعتباره إشارة قوية على أن ثمة ما يتم تدبيره بعزيمة وتصميم ضد الدولة في أروقة "تنظيمات التخريب" المرابطة في غزة.
بيد أن ما أثار هناك قلقاً أكبر، هو تزايد معدلات الهجمات الناتجة عن مبادرات فردية؛ مقطوعة الصلة بهذه التنظيمات. فمثل هذه المبادرات عادة ما تكون صادمة ومفاجئة من حيث النوعية والتوقيت والأداة، ويعز على الأجهزة الأمنية والاستخبارية، مهما أوتيت من حنكة وخبرة، التنبؤ والإحاطة بها واتخاذ إجراءات استباقية مانعة ضدها.
من آيات هذا القلق وتجلياته، أن كل المسؤولين الإسرائيليين المعنيين مباشرة بالملف الأمني والمتابعين له عن كثب، توقفوا ملياً أمام تلقائية عمليات المقاومة الأخيرة وعشوائيتها. لكنهم مازالوا عاجزين عن تفهم كنهها وسبر أغوارها واستشراف مستقبلها. فهي عند البعض مثل ميري ريجيف رئيسة لجنة الأمن والدفاع في الكنيست "مقدمة لأنشطة إرهابية تتوخى اختطاف جنود أو مدنيي..
للمساومة عليهم بسجناء فلسطينيين ملطخة أيديهم بالدماء..". بينما يعتقد أخرون، كبعض الضباط من ذوي الأفق الرحب نسبياً، أنها "تعبير عن فشل المفاوضات وانسداد الآفاق السياسية أمام الفلسطينيين، ما يُحفزهم على تسخين الأجواء"
. ويري فريق ثالث أن ما يجري "لا يوحي بانتفاضة على الطريق، لغياب الرابط بين هذه العمليات وطبيعتها الفردية غير المنظمة لكن هذا لا يحول دون ضرورة الإقرار بأن عزلة الفاعلين عن بعضهم، قد تجعل مزيداً من الأفراد يوقنون بنجاعة هذا الأسلوب".
ضمن هذا المسلسل من التحليلات الإسرائيلية غير المتسقة التي لا تكاد تهتدي إلى سبيل مستقبلي واضح بشأن أيلولة مباغتات المقاومة الفردية، هناك من يعتقد بأنها تشي بضعف القوي والفصائل الفلسطينية التقليدية جميعاً. التأمل في هذا التقدير شديد الخبث، يسوقنا إلى التفكير في أحد أمرين. فإما أن يكون المهاجمون منتمين إلى الفصائل..
لكنهم ما عادوا يذعنون لأوامر قادتهم، وراحوا ينفلتون من قبضة الانضباط القائم على حسابات لا يدركون مغزاها أو لا يقتنعون بها. وإما إنهم عناصر غير منظمين من الأصل، وعندئذ قد يواجهون ذات لحظة بالوقوع بين الرغبة الفصائلية في ضبطهم والسيطرة عليهم، وبين الملاحقات الإسرائيلية. وإن أساء البعض الظن، فقد يتوقعون احتمال أن تجري ملاحقة هذه العناصر عبر تنسيقات فلسطينية إسرائيلية مشتركة؛ تسعى إلى لجمهم وإن من منطلقات مختلفة.
في كل حال، ربما تعين على الفصائل والتنظيمات الفلسطينية الانتباه إلى ما يدور من أقاويل ومقاربات، ومنها أنها تخلت عن، أو فرطت في، وظيفتها الأساسية وهي المقاومة، وانغمست في مماحكات ومهاترات سياسية وغير سياسية بحتة. ومكمن الخطورة في هذا السياق، هو اضطلاع بعض الأفراد أو الجماعات الصغيرة بما يفترض أنه منوط بهذه الفصائل حسنة التجهيز والخبرة.
ندفع بهذا التخوف وفي الخاطر، أن أحد أهم فضائل قوى الحركة الوطنية الفلسطينية وفصائلها، تجسدت في قدرتها على تأطير شعبها، وتمكينه من الخروج على الخلق أجمعين بمظهر يوجب عليهم الإقرار بأحقيته في الحياة داخل دولة حرة مستقلة.
بسبب فردية عمليات المقاومة وعشوائيتها، ربما اطمأن الإسرائيليون إلى أن الفلسطينيين بعيدون عن خوض انتفاضة أخرى، ذات خلفية أو بنية سياسية وشعبية معلومة القيادة ومحددة الوسائل والأهداف. وقد يتعزز هذا الاطمئنان بالتصريحات؛ التي تؤكد على لسان أعل» مستويات المسؤولية في السلطة الفلسطينية أنه لا توجد لديهم نية لتبني هذا البديل. لكن الهجمات المتواترة الفردية غير المنظمة وغير المنضبطة تحمل في طياتها خميرة التطور إلى فعل منظم ومنضبط. فالفصائل قد تُجبر إجباراً على اللحاق بشعبها حفاظاً على هيبتها وتأكيداً لوجودها واستحضاراً لدورها.
والمثير أن إسرائيل، بضغوطها الفجة على القطاعات الفلسطينية كافة، المفاوضة منها وغير المفاوضة، قد تُعجّل بتحول سيناريو الفعل المقاوم الفردي العشوائي، إلى انتفاضة عارمة منظمة متكاملة الأركان.