في آخر ليلة من شهر أكتوبر المنصرم، احتفل الأميركيون، ككل عام، بعيد "الهالو وين". وقد اعتاد الكثيرون في عالمنا العربي على الاحتفال مع الأميركيين بذلك العيد، خصوصاً في البلدان التي توجد فيها جاليات أميركية كبيرة. رغم أن ذلك "العيد" ليس عيداً دينياً، إلا أن الأميركيين يحبونه ويستعدون له بشراء بعض الديكورات المنزلية والملابس العجيبة التي تنتج خصيصا لذلك الاحتفال. وهم أيضا يشترون الحلوى وبطاقات المعايدة ليرسلونها لأحبائهم، حتى صار "الهالو ين" موسما تجاريا تحقق فيه الكثير من الشركات أرباحا خيالية.
والبعض عندنا يحتفل مع الأميركيين في تلك الأمسية وكأن الهالو وين مجرد حفل تنكري يرتدى فيه المحتفلون من الصغار والكبار أزياء تمثل شخصيات مرعبة أو حيوانات ومخلوقات غريبة، ويتم فيه توزيع الحلوى، ويخرج الأطفال للشوارع يطرقون الأبواب ليأخذوا الحلوى من السكان، على طريقة "أعطونا العادة" الموجودة في الكثير من بلداننا في شهر رمضان المعظم. لكن "الهالو وين" مناسبة ذات تاريخ وحافل بالأساطير والقصص يأتي مصدرها الرئيس من عبادات وثنية ترجع لآلاف السنين.
فالجذور التاريخية لذلك الاحتفال تعود إلى أكثر من ألفى عام، ونشأت في أوروبا، وتحديدا في المناطق التي صارت تعرف اليوم ببريطانيا وأيرلندا وشمال فرنسا. وقتها هناك عيد يسمى "مهرجان السو وين"، نسبة إلى أحد الآلهة التي كانوا يعبدها أهل تلك المنطقة. فقد عاشت هناك وقتها شعوب عرفت بالسلتيين. وكانوا يعبدون إلهين في الوقت ذاته، إله الشمس وإله الموت والظلام ويدعى "سو وين". وكان السلتيون يعتقدون بأن الأول من نوفمبر هو أول أيام العام الجديد، والذي يبدأ معه فصل الشتاء القارس المظلم، بعد أن ينتهى الحصاد في اليوم الأخير من شهر أكتوبر.
وهم اعتقدوا أن اليوم الأخير من شهر أكتوبر هو اليوم الذي تتلاشى فيه الخطوط الفاصلة بين عالم الأحياء وعالم الموتى، حيث تخرج فيه ليلا الأرواح الشريرة والمخلوقات العجيبة لتجوب الأرض وتضر بالأحياء والموتى. لذلك، كان كهنة السلتيين يوقدون النيران ليلاً اعتقاداً منهم بأنها تقوي إله الشمس ضد إله الموت والظلام، لعل الشتاء القارس يتأخر قليلا. وكانوا يعتبرون تلك النيران مقدسة، فيلقون فيها بالقرابين من حيوانات ومحاصيل، أملاً في أن يدعم ذلك إله الشمس.
لكن السلتيين كانوا مع منتصف الليل (في الحادي والثلاثين من أكتوبر) يتوقفون عن عبادة إله الشمس ويبدأون فى عبادة إله الموت والظلام لأنه سيحكم لمدة ستة أشهر هي شهور الشتاء المظلم. وكان السلتيون يخشون في تلك الليلة تلك الأرواح الشريرة التي تنطلق لتدخل المنازل وتنفث لعناتها الخبيثة على الأحياء والأموات.
لذلك، كانت الطقوس كلها تقوم على محاولة خداع تلك الأرواح الشريرة لمنعها من إيذائهم وإيذاء موتاهم. وكان التنكر وسيلتهم حيث اعتقدوا أن تلك الملابس التي تبدو كالأشباح والمخلوقات العجيبة قد تنخدع بها تلك الأرواح وتعتبر هؤلاء أرواح مثلهم فلا تؤذيهم. وكانوا يتنكرون في ملابس على شكل حيوانات ومخلوقات عجيبة وجماجم أو شياطين وسحرة.
وكان المتنكرون يطرقون أبواب المنازل باباً باباً طلباً لمكافأة، فيما صار يعرف الآن بلعبة "اللعنة أو المكافأة". فالناس في المنازل، لاعتقادهم بانطلاق الأرواح الشريرة، يتوقعون أن تأتيهم في تلك الليلة. لذلك، كانوا حين يطرق المتنكرون أبوابهم متنكرين في تلك الأزياء يعجزون عن التعرف إليهم وما إذا كانوا بشراً مثلهم أو من الأرواح الشريرة. فباتوا يقدمون لهم الحلوى خوفاً من أنهم أرواح شريرة فعلًا فتطالهم لعناتها.
لكن مهرجان أو عيد "سو وين" تعرض لبعض التغيير عند دخول المسيحية أراضى السلتيين. ففي إطار مكافحة العبادات الوثنية، أعلنت الكنيسة يوم 31 أكتوبر عيداً "لكل القديسين". ومن هنا، أتى اسم "الهالو وين". فكلمة "هالو" في الإنجليزية القديمة كانت تعني القديس. فتحول الاسم مع مرور الوقت من عيد "سو وين" إلى "الهالو وين".
وقد اختفت طبعا عبادة السلتيين القديمة لكن ظلت التقاليد والملابس أفكاراً حية يمارسونها حتى بعد أن اعتنقوا المسيحية، وخصوصا أن الأول من نوفمبر، عند بعض المذاهب المسيحية، صار يسمى "عيد الأرواح"، وهو العيد الذي يتذكر فيه الناس أجدادهم وأمواتهم ويكرمونهم. لكن أسطورة "الهالو وين" لم تدخل أميركا إلا في نهايات القرن التاسع عشر حينما تكثفت هجرة الأيرلنديين إلى أميركا أكثر من أي وقت مضى. وصار الأميركيون اليوم من أكثر شعوب العالم احتفالا بذلك العيد.
ولأن الهالو وين كان في الأصل الليلة الأخيرة التي يخرج فيها السلتيون في الهواء الطلق قبل أن يحبسهم الشتاء القارس فيما بعد، فقد ظلت فكرة الانطلاق والتحرر تلك موجودة حتى بعد نهاية الأسطورة نفسها. وهى اتخذت في الآونة الأخيرة أشكالا مختلفة من التعبير عنها واختلطت ببعض مظاهر التحلل الأخلاقي والعربدة، وهو الأمر الذي صار يثير استياء قطاعات واسعة من الأميركيين المعاصرين. لكن العربدة وشرب الخمر حتى الثمالة في ذلك اليوم ليست السبب الوحيد لاستياء قطاع من الأميركيين من "الهالو وين".
فبعضهم يرى فيه مناسبة جذورها وتاريخها لا تستحق كل تلك الاحتفالات. ويستهجن آخرون طرق الأطفال لأبواب المنازل، ويعتبرونه انتهاكا للخصوصية وتحرشا بمن لا يريدون أن يزعجهم أحد، بينما يعترض آخرون على "الهالو وين" لأنه بالنسبة إليهم عبارة عن إلهاء للناس بأسطورة سخيفة هدفها تحقيق الرأسمالية الأميركية لمكاسب خيالية.
لكن "الهالو وين" رغم تلك المخاوف والاعتراضات سيظل على الأرجح من الاحتفالات المهمة في أميركا لسبب بسيط وهو أن أكثر من ربع الأميركيين يؤمنون بوجود الأشباح، كما أكدت آخر استطلاعات الرأي العام.