تشهد الرحاب العربية راهناً، مجموعة من الظواهر والتحولات، التي بلغت حداً من التعقيد على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، يجعل الحكيم حيراناً. أحد أهم المؤشرات على استثنائية هذه الحالة صعوبة استشراف المنتج النهائي لمعظم المتغيرات والمستجدات، التي تتوالى على هذه الرحاب فارضة تأثيرات وانعكاسات عاجلة وآجلة.

في الأسابيع القليلة الأخيرة، لاحظنا- مثلا- تبلور شيء من الفتور وسوء الفهم بين واشنطن والرياض، وبالتوازى والتزامن مع هذا المستجد، ثمة دلائل ومعطيات توحي بانعطاف مسار العلاقات الإيرانية مع كل من الولايات المتحدة وكثير من العواصم الأطلسية، نحو الدفء والانتعاش. وتفاهمات تتبدى على قمة النظام الدولي بين واشنطن وموسكو حول قضايا ظلت طويلًا، موضع خلاف بينهما، ومن ذلك حدوث ما يشبه التوافق على إعادة تعويم نظام بشار الأسد في دمشق، وتراجع كل منهما قليلًا إلى الوراء عن مطالبه لقاء مساومات ومقايضات لا يسهل التكهن بفحواها.

ما يجرى داخل مجتمعات ما تسمى بدول الربيع العربي، الشيء المؤكد لدى كثير من الاجتهادات، أن لهذه الحالة العصية على التحليل صلة ما بحديث الشرق الأوسط الجديد؛ الذي أثير قبل عشرة أعوام، على هامش الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، في إطار تحري هذه الصلة، نجدنا بين توقعين شهيرين متناقضين.

التوقع الأول يقوم على رؤية متفائلة، مفادها أن الثورات أو الانتفاضات ، التي شهدتها المنطقة العربية، ربما تفضي بين انعكاساتها إلى الوقوع في براثن مخطط الشرق الأوسط بمفهومه الأميركي الإسرائيلي. ومن المعلوم أن هذا المخطط كان، ولعله مازال، يستبطن تقسيم المقسم وتجزأة المجزأ، بإنشاء كيانات جغرافية سياسية على أسس طائفية وفئوية وجهوية، استكمالًا لما اقترفته اتفاقية سايكس بيكو اللعينة قبل زهاء مئة عام.

أما التوقع الثاني، فيزعم أن هذه الثورات ونحوها ماضية بالمنطقة على طريق النجاة أو الإفلات من فتنة الشرق الأوسط بكافة مسمياته، التي ابتدعتها دوائر المتربصين بالعرب، وأن التوترات ومظاهر عدم الاستقرار القائمة اليوم في " دول الربيع "، ما هي إلا توابع مؤقتة وطبيعية لزلزال التغيرات الثورية الكبرى، وسوف تخلي مكانها في المستقبل القريب إلى أوضاع غير مواتية لمرادات التحالف الغربي الإسرائيلي.

في تقديرنا أن حسم الجدل المستعر بين أصحاب هاتين الرؤيتين ربما اقتضى توسيع أفق الفهم والتفسير للمقصود بالتجزئة والتفتيت، فإن فعلنا ذلك صار من الصعب علينا مجاراة الشرق أوسطيين الجدد، حين يدعون أن منطقتنا بصدد الانقسام العضوي إلى نحو سبعين كياناً ووحدة جغرافية سياسية، لكننا نخشى من وقوع محذور المعنى الآخر للتفتيت، ذلك الذي ينطوي على تفاقم الصدع والشقوق ذات المحتوى غير المادي الجغرافي، من قبيل الاشتباكات الفكرية والأيديولوجية السياسية الطائفية والجهوية الإقليمية والطبقية.

خطورة المشهد العربي الراهن، هي في أطلال المعنى الأخير للانقسام، بالنظر إلى مرجعية المنازعات الفوارة في أكثر من موقع وموضع عربي. من يتوخى التحليل الموضوعي لا يسعه استبعاد المنظورات الفئوية الطائفية والجهوية، التي تغلف المشاحنات والخلافات الجارية في دول كالعراق وسوريا واليمن وليبيا، كما لا يسعه مغادرة الخوف من انحدار هذه المنظورات أو تحولها إلى طور الانقسامات الجغرافية، وما مثل السودان عنا ببعيد. لا نتمنى لأمتنا مثل هذا السيناريو البائس، غير أن هاجسه يلح على الخاطر، جراء مطالعة معمقة لمآلات التدافعات السياسية القائمة بين الفرقاء هنا وهناك، وربما كان الحافز الأهم لإلحاح هذا الهاجس، هو النظر في ما يبثه المتدافعون بصلابة من خطابات أيديولوجية ونصوص تاريخية وفقهية سياسية وغير سياسية.

التي من شأنها تحويل الخصومات العابرة والمحتملة الوجود إلى عداوات جذرية غير قابلة للتسوية والمعالجة بالتي هي أحسن. فرصة رأب الصدع الفئوية متعددة المصادر، واستدراك أخطار ترجمتها إلى انقسامات كيانية ما زالت متاحة ولم تفت بعد، وكلمة السر في الاستدراك المطلوب عاجلًا، هي في قناعة المتنازعين بأن آليات الديمقراطية وأدواتها ما وجدت إلا للتعامل مع مثل حالتهم، وأن المرجفين بالشرق الأوسط الجديد لا يريدون بهم خيراً، تماماً، كما كانت نيات وجداول أعمال أسلافهم يوم ابتدعوا خريطة الشرق الأوسط القديم.