وسط الغضب المعلن من جانب فرنسا وألمانيا على الولايات المتحدة جراء ما كشفته وثائق سنودن، لفت انتباهي تصريحين لمسؤولين سابقين، عملا في مجال الاستخبارات في بلديهما، أحدهما فرنسي والثاني أميركي. فالوثائق التي سربها إدوارد سنودن بشأن تجسس هيئة الأمن القومي الأميركية على العالم، أثبتت أن الولايات المتحدة تتجسس على الشعب الفرنسي وتخزن ملايين الاتصالات الهاتفية التي يجريها الفرنسيون. وما هي إلا ساعات حتى اتضح أن هناك ما يثبت أن التجسس الأميركي على ألمانيا طال الهاتف الرسمي لأنجيلا ميركل. وقد ثارت الدولتان وعبرتا عن غضبهما.

فقال رئيس الوزراء الفرنسي أنه أصيب "بصدمة عميقة" بينما قالت ميركل إن ما حدث يمثل "خرقا خطيرا للثقة" بين البلدين.

ووسط كل ذلك الصخب، خرج برنارد سكوارسينى، الرئيس السابق للاستخبارات الفرنسية بتصريحات لصحيفة لو فيجارو الفرنسية قال فيه إنه "أذهله" رد فعل رئيس الوزراء الفرنسي. وأضاف أن ذلك الموقف "يجعلك تتأكد من أن السياسيين لا يقرأون تقارير أجهزة المخابرات التي تقدم لهم".

ومصدر "ذهول" سكوارسينى، من واقع خبرته في مجال العمل الاستخباراتي، كما قال، هو أن "الاستخبارات الفرنسية تعرف يقينا أن كل الدول، سواء كانت عدوة أو صديقة تتجسس على بعضها البعض طوال الوقت... والأميركيون يتجسسون على المصالح الصناعية والتجارية الفرنسية ونحن نفعل الشيء نفسه تجاه أميركا... فلا توجد أية مفاجأة حقيقية فيما تم الكشف عنه، إذ لم تكن هناك خديعة لأحد".

أما الأميركي، جوزيف ويبل، الذي كان أحد رجال المخابرات المركزية السابقين، فقد تحدث لوكالة الأنباء الفرنسية بخصوص التجسس على هاتف ميركل، فاقترح أنه "لابد وأن ينظر للموضوع باعتباره رسالة ثناء ومجاملة (!!)... "فميركل شخصية مهمة. ولو أن هيئة الأمن القومى لم تتجسس عليها لكان السبب الوحيد هو أنها عاجزة عن ذلك التجسس" ثم أضاف، "كيف يمكن لهيئة الأمن القومى أن تعزف عن التجسس على شخصية تقول عنها مجلة فوربز أنها ثاني أقوى شخصية في العالم بعد الرئيس أوباما؟".

وما يلفت الانتباه في التصريحين الذين جاءا على لسان من عملا في مجال الاستخبارات هو أنهما ينطويان على دلالات خطيرة. فالواضح أن تلك الأجهزة لا رادع لها ولا لتوسعها الخطير في نطاق التجسس. فالمسؤول الفرنسي لم يستنكر أن يكون "الشعب الفرنسي" كله مراقب من جانب دولة أخرى. والمسؤول الأميركى يقول تصريحه ضمنا أنه كلما زادت أهمية زعيم ما، سواء كان حليفا أو عدوا، ازدادت احتمالات تعرضه للتجسس الأميركى!.

لذلك، فإذا كان الجديد في فضيحة هيئة الأمن القومى الأميركية هي أنها تتجسس على شعوب بأكملها من البرازيل والمكسيك ومرورا بفرنسا وألمانيا ووصولا لمصر والأردن، فإن عدم استغراب أو استنكار مسئولى المخابرات السابقين لما حدث معناه أن تلك كلها ممارسات تجرى طوال الوقت من جانب الدول الثلاث وغيرها، والفارق الوحيد أن أمرها لم يفتضح!

لذلك لا أظن أن أيا من حكومة فرنسا أو ألمانيا فوجئت بما جاء في وثائق هيئة الأمن القومى المسربة. فهي إن لم تكن تعرفه يقينا فإنها على الأقل تتوقعه. ومن ثم فإن المواقف المعلنة للدولتين هدفها الإعلان عن الغضب نفسه، والغضب ناتج عن أمرين أولهما أن تلك الحكومات عجزت عن كشف ذلك التجسس بنفسها وثانيهما أن الوثائق المسربة فضحت ذلك العجز. خذ عندك مثلا أنجيلا ميركل. فهي زعيمة سياسية ذكية وقوية، ومن ثم فهي تعرف أن التجسس أمر واقع حتى بين الحلفاء. ورغم أنها تتوقع ذلك، فإنها تتعاون مع تلك الدول من أجل مصالح بلادها.

تخيل معى، عزيزي القارئ ماذا سيكون رد فعل "ثاني أقوى شخصية في العالم" حين تفاجأ بأن هاتفها هي شخصيا خضع للتجسس وأن القاصي والداني في العالم كله، بما في ذلك الشعب الألماني، صار يعرف ذلك؟" في تقديري، أن رد الفعل الطبيعي هو أن تغضب ميركل غضبا حقيقيا.

ففضلا عن استهدافها شخصيا كأعلى سلطة في بلادها فإن الأجهزة المعنية في بلادها عجزت عن كشف ذلك التجسس. أضف لكل ذلك أن الوثائق كشفت عجز أجهزة بلادها على الملأ، بما يقلل من قدرتها على إقناع الألمان بأنها قادرة على حمايتهم من الحلفاء ناهيك عن الأعداء.

لكن رد الفعل في الدولتين لن يغير كثيرا على الأرجح في علاقات البلدين بأميركا. فقد تم الإعلان عن إجراء حوار بين البلدين والولايات المتحدة حول طبيعة العلاقات الاستخباراتية بينهم. والأمر في النهاية لن يتخطى حدود ذلك. فميركل حين اتصلت بأوباما، طالبته بالتعهد ألا يتم التجسس عليها شخصيا بعد اليوم.

بس كده! وسوزان رايس التي كانت أول من تلقى مهاتفات الغضب الألمانية حرصت على أن تؤكد للألمان أن أوباما لم يكن يعلم شخصيا بالتجسس على ميركل.

ومن هنا، فإن الخلاف بين أميركا وكل من فرنسا وألمانيا لا بد وأن يقرأ في هذا الإطار. فالدول الثلاث ليست على استعداد للتضحية بالتعاون الاستخباراتي عالى المستوى بينها. وهو الأمر الذي يعني أن ما كشفته الوثائق الأميركية المسربة سيستمر لفترة طويلة، الأمر الذي ينهار معه مفهوم الأمن القومى تماما. فالولايات المتحدة تجمع بلايين من اتصالات مواطني دول أخرى حول العالم.

وتلك الاتصالات لا تقتصر على الهواتف ولا حتى على البريد الإلكتروني وإنما تشمل التفاعل عبر الشبكات الاجتماعية بل وكل ما يفعله الفرد على شبكة الإنترنت، بما في ذلك المواقع التي يتصفحها والموضوعات التي تجذب اهتمامه!