عندما كتبت، في هذا المكان الأسبوع الماضي، عن الأسعار الخاصة التي تقدمها فنادقنا وناقلاتنا الوطنية، ولا تشمل مواطني الدولة ولا المقيمين على أرضها، لم أكن أتصور حجم الاحتقان الموجود لدى الناس حول هذا الموضوع، إلى درجة الإحساس بالقهر وحاجتهم إلى التنفيس عن هذا، حتى لو عبر مقالة، يتوقعون أن يمر عليها أصحاب الشأن مرور الكرام،..

كما مروا على مقالات وشكاوى في برامج البث المباشر قبلها، ويبقى الوضع على ما هو عليه، مثلما نشاهد في الأفلام العربية التي حفظنا منها هذه العبارة عن ظهر قلب. يتضح هذا من عدد تعليقات القراء التي دونوها على موقع جريدة "البيان" الإلكتروني، ومن الرسائل التي وصلتني عبر البريد الإلكتروني..

والتي لم تقتصر على موضوع الفنادق وتذاكر السفر الذي تم طرحه في المقال، ولكنها تطرقت لأمور كثيرة، كالتعليم، والتوظيف، والسلع التجارية، والخدمات المختلفة، والمرافق السياحية المتعددة، وأسلوب التعامل في بعض المحلات والمطاعم، وغيرها.

يذكر أحد القراء على سبيل المثال أنه حجز تذكرتين من إحدى ناقلاتنا الوطنية على الدرجة الأولى "دبي/ واشنطن/ دبي"، وكان سعر التذكرة الواحدة 43000 درهم. ثم قام بحجز تذكرة من الناقلة الوطنية نفسها "هوشي منه/ دبي" على درجة رجال الأعمال، ثم "دبي/ واشنطن/ دبي" على الدرجة الأولى..

والعودة إلى "هوشي منه" على درجة رجال الأعمال، فكان سعر التذكرة 29000 درهم فقط! أي أن الفرق كان 14000 في التذكرة الواحدة، فقط لأن الرحلة تبدأ من "هوشي منه" وتنتهي فيها وليس في دبي، فكيف بالله عليكم يمكن أن تقنعنا ناقلتنا الوطنية بأن هذا الفرق طبيعي ومنطقي ومبرر؟

وتذكر قارئة أنها كانت تزور زميلة دراسة لها في ماليزيا، وأرادت أن تحجز غرفة في فندق بإحدى المدن الماليزية خارج "كوالا لمبور" العاصمة، لكن صديقتها طلبت منها عدم الحجز باسمها، وقامت هي بعملية الحجز، لتحصل على نصف السعر، كونها تحمل الجنسية الماليزية! هكذا تميز أغلب الدول..

وخاصة الآسيوية، مواطنيها، مثلما يعلق أحد القراء على المقال، يذكر أن أسعار الفنادق تقل إلى النصف، عندما يكون الساكن من جنسية البلد نفسه. وتتعدد الأمثلة والشواهد، لتؤكد الواقع الذي لا يختلف عليه اثنان، ويشكل واحداً من أهم أسباب القهر الذي نتحدث عنه.

وإذا كان يمكن التعايش مع هذه الظاهرة، رغم أنها ظاهرة غير صحية، لكنها أصبحت واقعاً يبدو تغييره صعباً، على المدى المنظور على الأقل، فإن ثمة ظاهرة أخرى تحدث عنها بعض القراء في تعليقاتهم ورسائلهم، ليس من السهل التعايش معها؛ تلك هي ظاهرة رفع أسعار السلع والخدمات، على المواطنين، لمجرد أنهم يحملون جنسية الإمارات، حيث يتصور أصحاب هذه المحلات ومقدمي الخدمات أن كل مواطن يمتلك بئر بترول، كما تعلق إحدى القارئات.

تقول إحدى المواطنات إنها ذهبت مع زوجها إلى محل كهربائيات، حيث وجدت "أباجورة" أعجبتها، وعندما سألت البائع عن ثمنها أخبرها أنه 500 درهم، لكنها أجلت شراءها، ثم ذهبت بعد أسبوعين تقريباً مع إحدى صديقاتها غير المواطنات إلى المحل نفسه، وعندما سألت الصديقة غير المواطنة البائع نفسه عن سعر "الأباجورة" نفسها قال لها 200 درهم، فهل يعقل أن يكون سعر السلعة يختلف من المواطن إلى غير المواطن؟!

والشيء نفسه ينطبق على الخدمات، إذ يقول أحد القراء المواطنين الذين يجيدون التحدث باللغة الأوردية إنه عندما يذهب لإصلاح سيارته في المناطق الصناعية لا يرتدي الزي المحلي، ولا يتحدث اللغة العربية إطلاقاً، ليحصل على أسعار تصل إلى أقل من نصف الأسعار التي يمكن أن يحصل عليها فيما لو ذهب مرتدياً الغترة والعقال وتحدث اللغة العربية.

كما تقول قارئة إنها اعتادت أخذ خادمتها الآسيوية إلى إحدى العيادات الطبية الخاصة ودفع تكاليف علاجها التي لا تقل عن 400 درهم في كل مرة عندما تمرض، لكنها اضطرت ذات مرة إلى عدم دخول العيادة معها، وأعطتها المبلغ نفسه لدفع تكاليف العلاج، ففوجئت بالخادمة تعيد إليها 340 درهماً عندما خرجت من العيادة، وأخبرتها أنهم لم يأخذوا منها سوى 60 درهماً، عندما أخبرتهم أنها هي التي ستدفع تكاليف العلاج، وليست سيدتها المواطنة!

كل هذه الأمثلة والوقائع تؤكد شيئاً واحداً؛ هو أن هناك خللاً يجب معالجته، ومعالجة هذا الخلل ليست مسؤولية الجهات الحكومية وحدها، وإنما مسؤوليتنا جميعاً، فنحن نعرف الجهد الذي تبذله إدارة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والإدارات المماثلة في دوائر التنمية الاقتصادية المحلية..

لكن هذا الجهد يظل قاصراً ما لم تؤيده قوانين صارمة، تفرض للمواطن ميزات في بعض المرافق، لاسيما السياحية، مثلما يحدث في الدول الأخرى التي ضرب القراء بها مثلاً، وما لم نسانده نحن المستهلكين، فلا نغض النظر عن عدم التزام بعض الجهات بهذه القوانين.

وعن الفروقات في الأسعار، عندما نلاحظ أن الباعة ومقدمي الخدمات يرفعون سعر السلعة والخدمة، إذا كان المشتري أو المستفيد مواطناً، فدولة الإمارات قائمة على العدل والمساواة بين الجميع، منذ عهد مؤسسيها الأوائل وحتى الآن. وعندما يشعر المواطن فيها أنه يعامل معاملة أقل من غيره..

وأن هذا الغير يتمتع بميزات لا يتمتع هو بها، فهذا يعني أن هناك خللاً يجب علاجه، ولا أظن أن هذا الأمر غائب عن حكومتنا، التي طلب الكثير من القراء في تعليقاتهم تدخلها لإعادة الأمور إلى نصابها، لأنهم واثقون من أنها تحرص دائماً على أن يكون المواطن فوق خط القهر.