تمثل المقومات الحضارية والاجتماعية مثل اللغة ووحدة الأصول المقومات التكوينية لأي مجتمع، ومن دون تلك المقومات يفقد المجتمع أهم عناصر وحدته واندماجه. وقد أدركت المؤسستان السياسية والشعبية في الإمارات منذ البداية أهمية هذه المقومات، وعملت جاهدة على الحفاظ عليها وحمايتها من التأثر أو الاندثار.
ولكن طبيعة التطور الذي حصل في دولة الإمارات أجبرت كلاً من المؤسستين على تبني أنماط مختلفة من السياسات وطرائق التفكير، هدفها كيفية التأقلم مع الواقع الجديد الذي تبلور في الدولة بعد الطفرة، والناتج عن عدد من المتغيرات أهمها المتغيرات الاقتصادية والديمغرافية.
التطور الاقتصادي المذهل والمتغيرات الحضارية الهائلة التي ظهرت نتيجة النزوح الكبير لعدد كبير من الجنسيات الأجنبية التي أحضرت معها كل أنماط معيشتها وثقافتها الحضرية والحضارية، أدخل مجتمعنا في حالة من الإرباك الحضاري والاجتماعي.
متغيرات وتأثيرات كثيرة حدثت وتحدث أمام أعيننا كل يوم بعضها استعدينا لها والبعض الآخر لم نستعد له بعد، بل لا نعرف الحلول الناجعة له، جميعها أصبحت جزءاً من واقعنا. وبينما تتضارب ردود أفعالنا سلباً وإيجاباً تجاه تلك المتغيرات تتسارع وتيرة التأثيرات دون أن نكون قادرين على إيقافها أو اتخاذ خطوات فعّالة إزاءها.
ولنأخذ لغتنا العربية كمثال واضح: فمنذ عقد السبعينات ونحن ندعو إلى الحفاظ على اللغة العربية كلغة رسمية للبلاد، ولكن موجة التغريب كانت أقوى منا. فالإمارات ظهرت كنقطة جذب مهمة لكل أشكال العمالة الأجنبية التي جلبت معها خلفياتها الثقافية ولغاتها المتعددة والتي أدت إلى تراجع استخدام اللغة العربية في الاقتصاد وفي التعامل خارج إطار المنزل.
لذا اقتصر استعمال هذه اللغة على التعامل المحدود بين الناس، الأمر الذي أدى إلى تراجعها. كانت المؤسسات المجتمعية ومنذ تلك الفترة تحذر من انحسار اللغة العربية وتراجعها كوسيلة للتخاطب والتواصل في المجتمع وتحاول لفت الأنظار للخطر المحدق على الهوية وعلى لسان الأجيال المقبلة.
وعلى الرغم من دعوة البعض إلى عدم تضخيم ذلك الخطر بقولهم إن الاستعمال المهني للغة يختلف في دلالاته ومدلولاته عن الاستعمال الاجتماعي، أي أن استخدام اللغة كوسيلة للتواصل الاقتصادي تختلف في تأثيراته عن استعمالها للتواصل والتخاطب الاجتماعي، إلا أن الواقع الذي تبلور في الإمارات وبيئتها الاقتصادية الحاضنة جعل من ذلك الخطر واقعاً نراه بأم أعيننا الآن.
فطبيعة الإمارات الديمغرافية وبيئتها الاقتصادية المتطورة والحاضنة لمشاريع عملاقة وبنية استثمارية كبيرة جعلت من ذلك الواقع شيئاً مطلوباً ولا بديل له. فالواقع الاقتصادي فرض نفسه حضارياً، الأمر الذي أدى إلى جعل اللغة الأجنبية، بل اللغات الأجنبية، هي المستخدمة في الاقتصاد وهي المسيطرة على الساحة.
لم يشمل التهديد المقومات الحضارية فحسب بل امتد ليشمل المقومات الاجتماعية وهي المؤثر المهم في الاندماج وفي وحدة المجتمع. فالمقومات الاجتماعية والتي يأتي على رأسها وحدة الأصول أو الجذور كانت في مطلع السبعينات تمثل رصيداً مهماً لاندماج مجتمع الإمارات وأحد أهم عوامل وحدته.
ولكن المتغيرات الكبيرة التي حدثت في المجتمع هددت حتى تلك المقومات. فاختلال المنظومة القيمية التي قام عليها المجتمع في الماضي وتطور منظومة قيمية جديدة ودخول المجتمع في حلقة جديدة من حلقات تطوره هو شيء بديهي لا بد وأن يحصل لأي مجتمع.
ولكن في الإمارات كان الأمر مختلفاً. فالتطور الراديكالي في منظومة القيم الاجتماعية وظهور مفاهيم جديدة للمجتمع وطبقاته وقيمه ونظرته إلى نفسه ونظرة الآخر له جميعها مفاهيم أدخلت المجتمع في حالة من المخاض الاجتماعي العسير.
فالمواطنة أخذت بعداً جديداً ومصطلحات جديدة مثل الخلل في التركيبة السكانية، نتج عنها ملفات تحتاج إلى عناية فائقة للتعامل معها. فملف الخلل السكاني والتجنيس وملفات أخرى مرتبطة بهما جميعها أثرت على الوحدة الاجتماعية وأصبحت تعبيراً عما يمر به المجتمع من مخاض.
إن هذه التطورات التي يمر بها مجتمعنا قد تكون مرت بها جميع مجتمعات العالم الثالث وهي في طريق صعودها إلى مستوى مجتمعات العالم المتطور أو الأول. ويمكن أن تكون التجربة الماليزية هي أوضح مثال على تلك الحالة. ولكن الأمر في ماليزيا قد يكون مختلفاً بعض الشيء عنا هنا في الإمارات. فهم هناك كانوا مدركين لحالة التطور وتبعاتها..
وبالتالي فعلى الرغم من أنهم عانوا من النتائج نفسها إلا أن الحلول المستخدمة كانت ناجعة. وقد يقول البعض إن حالة التطور تلك وإفرازاتها هي ظاهرة طبيعية وهي ضريبة لا بد وأن تدفعها المجتمعات كثمن للوصول إلى حالة التطور الذي ترغب به، إلا أن الأمر في الإمارات أعمق من ذلك. فهو سؤال الماضي والحاضر والمستقبل أيضاً.
وربما يختلف تعاطينا مع هذا السؤال عن تعاطي الأجيال القادمة، لأن لكل جيل نظرة تختلف عن الجيل الذي سبقه، ولكن شيء واحد مؤكد ألا وهو النتائج. فكما تختلف وجهات نظرنا وردود أفعالنا فسوف تختلف نظرة الجيل الجديد. وكل ما نتمناه أن تنجح تلك الأجيال في إيجاد حلول لملفات عجزنا نحن عنها.