قرار الأشقاء في المملكة العربية السعودية الاعتذار عن عضوية مجلس الأمن والبيان قوي اللهجة الذي أصدرته الخارجية السعودية في هذا الخصوص يمثلان درساً مهماً في أخلاقيات العمل الدولي يستحق ليس فقط التأييد وإنما أيضا أن ندعو إلى الاستفادة منه والبناء عليه في تعامل المنظومتين الخليجية والعربية مع قضايانا المحقة على الصعيد الدولي.

فانتخاب السعودية لعضوية مجلس الأمن، وبالطريقة التي تمت، لم يكن مجرد تقدير بريء للمملكة، قدر ما كان يخفي محاولة لنصب فخ إعلامي وسياسي تحت مسمى التزامات الدول الأعضاء في المجلس.

ومن يتابع تصريحات بعض كبار موظفي الأمم المتحدة المستهجنة والغريبة بعد نتيجة الانتخاب يدرك تماما كنه العملية المريبة التي كانت أيدي السوء تطبخها بشكل خفي. والمعروف أن موظفي الأمم المتحدة ليسوا مخولين ابتداء التعليق على نتائج انتخابات مجلس الأمن أو الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.

لكن الخطوة السعودية قلبت من ناحية عملية الطاولة على بعض مما دُبّر بليل بهدف استدراج المملكة وشقيقاتها من دول الخليج إلى مجموعة من الملفات المصطنعة إعلاميا بهدف الضغط على المملكة في ملفات أخرى. ونسي هؤلاء وأولئك أن تاريخ دبلوماسية الأشقاء السعوديين لا يسمح بهذه النوعية من الابتزاز السياسي والعبث الدبلوماسي الذي كان يطمح إليه البعض.

والواقع أن قرار السعودية بالاعتذار عن عضوية مجلس الأمن سحب البساط من تحت من كانوا يريدون للمملكة أن تلعب دور شاهد الزور، ليس فقط على عجز المجتمع الدولي عن اتخاذ أبسط القرارات المتعلقة بحماية حياة الأبرياء في أكثر من بقعة ساخنة، وإنما أيضا على التواطؤ المنظم في مجلس الأمن للتغطية على جرائم وتجاوزات جهات أخرى. وما عجز المنظومة الدولية في الملفين الفلسطيني والسوري سوى مثال بسيط.

لقد صيغت عبارات بيان الخارجية السعودية بعناية فائقة تكشف النقاب عن أن المملكة أرادت أن توجه رسالة مؤثرة وقوية للمجتمع الدولي ولأعضاء مجلس الأمن مفادها أنه آن الأوان لكي تؤخذ بجدية كاملة كل المطالبات المتكررة لإصلاح منظومة عمل مجلس الأمن والأمم المتحدة والتي لا يجوز أن تبقى أسيرة لتفاهمات يالطا في نهاية الحرب العالمية الثانية التي لم يعد لعالم اليوم فيها لا ناقة ولا بعير. لقد مضى زمن طويل منذ العام 1945، وآن للأمم المتحدة أن تدرك ذلك.

كما أن اعتذار المملكة الشقيقة عن عضوية مجلس الأمن يأتي استكمالا لسلسلة خطوات بدأت مع اعتذار سمو الأمير سعود الفيصل عن إلقاء كلمة المملكة أمام الدورة الحالية للجمعية العامة تعبيرا عن استياء عميق لدى الأشقاء السعوديين من فشل المنظمة الدولية في القيام بأدنى واجباتها تجاه قضايا وأزمات المنطقة.

ويستحق التذكير أن الأشقاء في مصر كانوا أيضا قد أفشلوا خطة دبرتها أطراف عدة لإحراج مصر من خلال طلب التصويت على المشاركة التي كانت مقررة للرئيس عدلي منصور في فعاليات الجمعية العامة.

ولا يصح هنا مقارنة اعتذار المملكة عن العضوية بالانسحاب المؤقت للاتحاد السوفيتي عام 1950 احتجاجا على عدم قبول الصين الشيوعية في عضوية الأمم المتحدة، وهو الانسحاب الذي استغلته أميركا لتمرير قرار غزو كوريا. فالاتحاد السوفيتي كان يملك حق الفيتو، بينما المملكة لا تملك هذا الحق، مثلما أن "لعبة الأمم" كانت تسعى لكي تكون المملكة "موجودة وحاضرة" عند اتخاذ قرارات تحتاج إلى غطاء من حجم ونوع الحضور السعودي!

الآن، وقد غيرت السعودية قواعد اللعبة لصالحها، فإنه من المهم على دول التعاون الخليجي والجامعة العربية والمنظومة الإسلامية أن تبني على هذا الموقف السعودي الحازم. ولا يجوز أن تنتهي الأمور عند القرار السعودي. وأول ما ينبغي اتخاذه من قرارات مسؤولة وقوية هنا الاتفاق على شروط مساهمة هذه الدول في مجلس الأمن والمنظمة الدولية بما في ذلك شروط ترشيح دولة بديلة لإشغال مقعد المملكة في المجلس.

كما أن هنالك ورقة مهمة تحتاج إلى موقف جماعي منها وهي مسألة تمويل أنشطة الأمم المتحدة سواء من خلال التزامات العضوية أو التبرعات، وأعتقد جازما هنا أن الموقف الجماعي الموحد في مسألة التمويل سيلعب دورا مهما وقويا، خاصة إذا تذكرنا أن الدول التي تعادينا وتعادي قضايانا في مجلس الأمن هي الأقل مساهمة والأكثر مماطلة في دفع مستحقاتها.

إن موقف المملكة العربية السعودية من مسألة عضوية مجلس الأمن موقف تاريخي بامتياز ونحتاج أن نلتف حوله اليوم لكي نستفيد جميعا من تفاعلاته.