العملية الديمقراطية بالسياقات المعروفة في الدول التي تنتهجها تفرز عادة حزبا أو تحالفا من أكثر من حزب، يتولى السلطة لبضعة سنوات، مدفوعا بإرادة الناخب، وحزبا أو أحزاب أخرى توحد مواقفها لتتحول إلى المعارضة داخل البرلمان. السجال بين هذين الطرفين سواء كان هادئا أو عاصفا يبقى ضمن قواعد تسمح فقط لهذا الصراع أن يبقى تحت قبة البرلمان.

في هذا الصراع  يسعى كل طرف  إلى عرض أجندته ويحاول أن يكون في الوضع الأفضل، مستغلا السقطات التي يرتكبها الطرف الآخر ليوظفها لصالحه، من أجل تعزيز موقفه وسط جمهوره ومؤيديه، وكسب آخرين لصالحه. وفي حالات نادرة يُقدم الحزب الحاكم مضطرا على عقد صفقة مع المعارضة لإمرار صفقة يعجز عن تمريرها ولا يستطيع الإبقاء عليها معلقة، لأنها تتعلق بشكل مباشر بمصالح الناس الآنية.

وفي الوقت الذي يعبر وجود المعارضة في بلد ما، أيا كان شكلها أو حجمها، عن ظاهرة سياسية حضارية وهي تقبل التعددية السياسية، فإن وجودها من جانب آخر ضروري لمنع انفراد شخص أو حزب بالسلطة، ولغرض السماح للجمهور الواسع بالاطلاع على ما يجري خلف الكواليس السياسية، خاصة حين يكون الدستور ضامنا لإعلام حر لا تسيطر عليه السلطة التنفيذية.

في الدول الديمقراطية هناك حضور قوي للمعارضة في برلماناتها فقط، وذلك لأنها تمارس حقا اللعبة الديمقراطية بالأبعاد التي تخدم مصالح الشعب. وهذا جانب مهم يسهم في منع انتقال الصراع بين الأجندة السياسية وما ينشأ عنها من تشنجات إلى الشارع، ففي حالات نادرة نشهد معالم الصراع الذي يدور داخل البرلمان منتقلا إلى ساحات المدن وشوارعها.

العراق الجديد وفق الدستور بلد ديمقراطي اتحادي تعددي، فهذا الدستور ينص على صلاحيات السلطات الثلاث، ويوضح آليات تشكيلها، ويحدد الضوابط التي تحكم عمل كل سلطة. فهو يسمح من حيث المبدأ بقيام حزب أو تكتل يتولى الحكم ويسمح بوجود معارضة لها برنامج متميز عن برنامج الحزب الحاكم تعرضه من خلال مناظراتها مع السلطة.

إلا أننا لا نرى ذلك على أرض الواقع على الرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على قيام هذا العراق الجديد، وهي مفارقة تستوجب التوقف عندها، عند أسباب تعطل الآليات الديمقراطية عن العمل، والتي أدت كما لا ينكر العديد من الضالعين في العملية السياسية إلى فشل التجربة وإخفاقها.

الوضع في العراق على درجة كبيرة من التردي في جميع مجالات الحياة تقريبا، إلا أن أخطر ما يعاني منه البلد هو الاحتراب الداخلي الذي وقفت الحكومة عاجزة عن معالجته، مما أدى إلى تفاقمه، بسبب سياساتها التهميشية والإقصائية. والحقيقة أن المعارضة والاستياء لدى الرأي العام يبدأ، في أي مكان من العالم، حين تكون هناك قضايا يعاني منها الناس تتعلق بواقع حياتهم اليومية.

وما أكثر هذه القضايا في العراق، ابتداء من تردي وسوء الخدمات أو غيابها، إلى تفشي البطالة وانتشار الفقر، إلى الفساد المستشري في جسد الدولة على مختلف المستويات، فقد أصبحت المنطقة الخضراء بكل ما تضمه من كيانات موضع كراهية وازدراء من قبل عموم الشعب.

لا يخفي العديد من الضالعين في العملية السياسية استياءه من الأوضاع القائمة ومعارضته لسياسة الحكومة، وذلك لأنهم على اطلاع أوسع من غيرهم على المخالفات الكثيرة التي تحدث للدستور في القرارات التي تتخذ وتمر مرور الكرام دون اعتراض جدي، كتعيين قادة الفرق في الجيش وقادة الأجهزة الأمنية وغيرها.

إلا أن معارضة النخب هذه لا تترجم إلى أفعال تفرز هذه النخب نفسها بوضوح عن العملية السياسية، وتنخرط في صفوف الشعب، من أجل صناعة حركة تغيير قوية وفق ما يتيحه الدستور، وذلك لأن ما يحكم سلوك ومواقف هذه النخب اعتبارات تتعلق بالحرص على التمسك بهيكل العملية السياسية، التي تحكمها المحاصصة العرقية والطائفية وعدم إضعاف هذا الهيكل أو تعريضه لهزات قوية أو إسقاطه.

لذلك أصبح ما هو حالة نادرة في برلمانات الدول الديمقراطية قاعدة عامة في مجلس النواب العراقي، حيث يمر كل قرار عن طريق عقد صفقة بين هذه النخب لضمان مصالحها بعيدا عن هموم وأوجاع المواطن العراقي.

فقوى المعارضة داخل البرلمان قد كبلت أيديها بأنفسها حين شاركت بما يسمى حكومة الشراكة الوطنية، التي لم تكن سوى أداة وظيفية لشل قدرات المعارضة ودحر الشارع العراقي، الذي يكتظ بشعارات المطالبة بالإصلاحات التي ليس بقدرة الحكومة القائمة سواء في تشكيلتها أو في آليات عملها من تقديم شيء يذكر للقيام بها.

هذه المعارضة فقدت أي تأثير في أوساط الجماهير التي تنظر إليها كشريكة في الحكومة التي لا تنظر إليها بعين الرضا. إذ من الصعب أن نرى كيف يمكن لبعض النواب انتقاد الحكومة وهم جزء من تكتل مشارك في هذه الحكومة. فالحكومة والمعارضة الخجولة في مجلس النواب ليس لديهما برنامج حقيقي للأخذ بيد البلد بعد ما أصابه من خراب وما لحق بشعبه من مصائب.

لذلك انتقلت المعارضة الحقيقية من مجلس النواب إلى الشارع، فهناك غليان شعبي يتصاعد وتظاهرات تنطلق هنا وهناك، بعضها ذو طابع عفوي، ترفع فيها أحيانا شعارات غير مدروسة ليست في مصلحة العراق. وليس من غير المتوقع أن يترتب على ذلك تصاعد في حدة العنف وتصاعد في حالة عدم الاستقرار

والفلتان الأمني خاصة بعد أن بدأت تتسلل إلى بعض هذه التظاهرات عناصر وفدت من الخارج لديها أجندة تتعلق بمصالح دول أخرى، لتجعل من المدن العراقية ساحات صراع تستجيب للتشنجات العربية والإقليمية وتؤجج الطائفية وتهدد وحدة البلد ومستقبله.

سبق أن ذكرنا في أكثر من مقال بأن العراق لا ينقذه من غُمته غير أبنائه الذين لا مصلحة لهم في التناحر مع بعضهم، تاركين غيلان المنطقة الخضراء تنخر في جسد البلد. فغضبهم الذي يعبرون عنه في التظاهرات العارمة ينبغي أن يترجم إلى قرار حاسم في الانتخابات القادمة، للإتيان بوجوه لا يتطرق الشك إلى حرصها على مصالح الشعب.