واشنطن في مواجهة المتنمرين الجمهوريين

تعرضت خلال طفولتي للتنمر من قبل صبية أكبر مني هددوني بالضرب إذا لم أحقق لهم ما يريدونه ولأنني في كل مرة استسلمت خلالها لمطالبهم، كانت المطالب التالية تغدو أكبر. فقد أرادوا أولاً الحصول على كل ما بجيبي من القطع النقدية، ثم جاء الدور على الحلوى الخاصة بي، ثم حل الدور على  قبعة ديفي كروكيت، ثم على المضرب وكرة السوفت بول اللتين تلقيتهما هدية في عيد ميلادي.

توقفت أخيراً عن تلبية مطالبهم، وعندما شرع المتنمرون في مضايقتي في ملعب المدرسة أقبل صبية أكبر سناً لإنقاذي وهددوا المتنمرين بضربهم إذا تعرضوا لي. وقد وضع هذا نهاية لتهديداتهم.

قد يبدو ما يحدث في واشنطن الآن بعيداً عن ذكريات طفولتي هذه، ولكنها لا تعدو حقاً أن تكون ملعباً آخر لفتية، والمتنمرون الحاليون فيها هم الجمهوريون اليمينيون الذين هددوا بأنهم إذا لم يحصلوا على ما يريدونه فإنهم سيغلقون الحكومة الفيدرالية ويتسببوا في عجز أميركا عن سداد ديونها، وقد نفذوا تهديدهم بالفعل.

قال القادة الجمهوريون في مجلس النواب: "الشعب الأميركي لا يريد إيقاف الحكومة عن العمل ولا يريدون برنامج أوباما كير، ولسوف نقوم بعملنا ونبعث بمشروع القانون هذا، وعندئذ سيتعين على مجلس الشيوخ تمريره وإيقاف الحكومة عن العمل".

حقاً؟ إن الشعب الأميركي لا يريد برنامج "أوباما كير" بقدر ما لم أرد في طفولتي كرة السوفت بول والمضرب الخاصين بي.

الطريقة الوحيدة المسلم بها والتي نعرف من خلالها ما الذي يريده الشعب الأميركي هي عبر العملية الديمقراطية. و"أوباما كير" هو قانون ساري المفعول، وقد اقترعت أغلبية في مجلس النواب والشيوخ بالموافقة عليه. وصادق عليه الرئيس الأميركي، وأيدت المحكمة العليا طابعه الدستوري، وأعادت غالبية الأميركيين انتخاب الرئيس بعد معركة انتخابية كان هذا القانون القضية المحورية فيها.

المتنمرون هم جناح داخل الحزب الجمهوري، متطرفون يهددون جمهوريين أكثر اعتدالاً بتحديات أساسية إذا لم يسايروهم فيما يريدونه.

ومن أين يأتي متطرفو حزب الشاي بنقودهم؟ من متنمرين أكبر، هم قلة من الأميركيين ذوي الثراء الطائل الذين يغوصون بمئات الملايين من الدولارات إلى دائرة الابتزاز.

وهم يضمون ديفيد وشارلز كوخ (ومجموعة الواجهة الخاصة بهم، أميركيون من أجل الازدهار)، بيتر ثايل، اختصاصيين في التأثير على الآخرين مثل جون تشايلدز المستثمر، هاوريتش والرؤساء التنفيذيين لمورغان وجولدمان ساكس وجميعهم يقفون وراء نادي النمو، وهارلان كرو من شركة كرو القابضة وعملاق الشحن ريتشارد أهليون والمصرفي الاستثماري فوستر فرايز والمديرين التنفيذيين لشركة ميتلايف وفيليب موريس ومؤسسات تسيطر عليها عائلة سكايف وكلهم يمولون "فريدومووركس" .

وليست خطتهم الاستيلاء على الحزب الجمهوري وإنما السيطرة على أميركا، والمواجهة التي دارت حول الميزانية وسقف الدين هي مقدمة لعام 2016 عندما يخططون للانطلاق بالسيناتور تيد كروز لخوض سباق الرئاسة (وكروز إذا لم تكن قد لاحظت ذلك يقوم بمزيد من الانشغال بتكريس نفسه باعتباره أكبر قاذف للهب في واشنطن.

حيث لا ينسق حملة الابتزاز الراهنة فحسب، وإنما أيضاً عملية التخلص من الجمهوريين المعتدلين). يتعين على أوباما والديمقراطيين ألا يستسلموا، بل إنهم لا ينبغي أن يتفاوضوا مع المتنمرين، وكما سبق لي أن تعلمت بالطريقة الصعبة، فإن التساهل مع المتنمرين لا يؤدي إلا إلى تشجيعهم على تصعيد مطالبهم.

لقد بدأ الرئيس المفاوضات مع المتنمرين الجمهوريين في عام 2011، عندما هددوا لأول مرة بجعل أميركا تعجز عن سداد دينها إذا لم يحصلوا على التخفيضات في الإنفاق التي أرادوها، ثم تفاوض مجدداً معهم في نهاية 2012 عندما هددوا بالسقوط في الهوة المالية وأخذ باقي أميركا معهم إذا لم يحصلوا على الميزانية التي يريدونها، وهم الآن يريدون إلغاء قانون يضيقون به ذرعاً، وهو قانون "أوباما كير"، وإذا استسلم أوباما لهم مجدداً، فما الذي سيحدث بعد ذلك؟ هل سيحدث انقلاب؟

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات