لأن واقع الإعلام العربي والدولي، ومعرفة التحديات التي تواجه الإعلام المحلي، لا يمكن أن يتم إدراكها من خلال قاعات الدراسة فحسب، ولأن تكوين شخصية إعلامية واعية تتمتع بالإلمام بأدوات صناعة الإعلام يتطلب ضرورة تجسير الهوة بين قاعات الدراسة وبين واقع الممارسات الإعلامية.

ولأن السياسة الإعلامية ليست ثوباً جاهزاً له مقاس موحد يمكن أن ترتديه كل الدول، مهما اختلفت مصالحها وتباينت توجهاتها ومقاصدها، ولأنه من ضمن أهداف كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية رفد المجتمع بكوادر إعلامية تعي طبيعة قضايانا الوطنية والتحديات التي تواجهنا، كما تدرك واقع المشهد الإعلامي الوطني والإقليمي والدولي، ولديها رؤية مستقبلية قادرة على التعامل مع مختلف المتغيرات وهي متسارعة، من منطلق وطني يحمل أمانة الكلمة ويعلي من شأن المصلحة الوطنية ويقدمها على كل مصلحة، لكل ذلك كان لابد من اعتماد سياسة طرق الأبواب في العملية التعليمية، وطرق الأبواب هنا يقتصر على أهل الدار وأصحاب الدراية والخبرة، والمعنيين بقضايا وشؤون الوطن، وحماته المرابطين على حدوده للدفاع عنه ليس فقط بالسلاح المادي ولكن بسلاح الكلمة والصورة، في عصر باتت فيه حدود الدول الإعلامية مستباحة، وأصبح تأثير الكلمة والصورة أقوى من الرصاص والمدافع التي ينحصر تأثيرها في جبهات القتال، في حين يمتد تأثير الكلمة والصورة إلى الرأي العام بأكمله سواء كان وطنياً أو دولياً.

من هنا جاءت أهمية الزيارة التي جمعتني بصحبة وفد من طلبة قسم الإعلام بالكلية بالأستاذ الفاضل إبراهيم العابد المدير العام للمجلس الوطني للإعلام، والذي كشف فيه بجلاء، لإعلاميي المستقبل من طلبة قسم الإعلام، عن واقع الإعلام الوطني والتحديات التي تواجهه، فضلاً عن توجهات الإعلام الدولي وأهدافه وكيف يمكن التعامل معه، والمهارات التي يجب أن يتسلح بها إعلامي المستقبل.

وفي تقديري أن ما تمت مناقشته في هذا اللقاء لا يجب أن تقتصر معرفته على طلبة الإعلام، ولكن كل حريص على مصالح هذا الوطن الغالي، لأنه مثل لقاء الأجيال تم خلاله مناقشة العديد من المسائل برحابة صدر وسخاء فكر، خرجت منها ببعض من الوقفات أود التأكيد عليها.

إن سيرة اتحاد الإمارات قصة عبقرية للإنجاز وتحقيق الحلم، وروى أن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، قال ذات يوم لأحد الناس: ما رأيك في أن نقيم دولة ذات سيادة يحكمها القانون ويكون لها مكانة بين دول العالم، فقال الرجل ببساطة وتلقائية: «عندما تسير الناقة على ظهرها»، فتبسم الشيخ زايد رحمه الله، ويمر عامان، وتقام دولة الاتحاد بمؤسساتها، فقال للرجل: كيف الحال الآن، قال الرجل: «الناقة تسير على ظهرها»؛ أي أن الحلم المستحيل تحقق.

وفي تقديري أن منطق الناقة تسير على ظهرها أصبح وضعاً قائماً في الإمارات منذ تأسست وحتى الآن، لأن ما يتحقق فيها كل يوم من إنجازات يدهش الخارج قبل الداخل، وأن وتيرة التطور تفوق كل التوقعات، إلا أن أحلام قادتها مازالت أكبر. ما يذكرني بقول أبي الطيب المتنبي: «عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ .. وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ».

إننا نتعامل الآن مع عالم فتحت نوافذه وأصبح من المستحيل إخفاء الحقيقة أو التستر على أمر ما، ومن يعتقد ذلك فهو واهم، أو كمن يغطي ضوء الشمس بإصبعه، إن نهج دولة الإمارات مبني على التسامح والانفتاح والحرية، والصحافيون الأجانب الذين عاشوا فيها ولو فترة قصيرة يدركون واقعها وطبيعة العلاقة بين أبنائها، وسوء الفهم لا يأتي إلا من الذين يكتبون من مكاتبهم عن واقع لا يعرفونه، من هنا تبدوا أهمية وجود إعلام قوي مبادر يوضح الصورة بجلاء ويزيل كل التباس.

ويستمد الإعلام قوته من قوة الواقع على الأرض، فقد تستطيع خداع بعض الناس لبعض الوقت ولكنك لا تستطيع خداع كل الناس طوال الوقت. لذا فالإعلام الإماراتي يستمد قوته من واقع معاش على الأرض وليس في أفئدة الإعلاميين ومخيلاتهم، لذا فمن الأهمية بمكان أن تكون السياسة الإعلامية قائمة على الفعل عبر التوضيح وليس على رد الفعل المبني على النفي.

لا توجد رقابة سابقة على النشر في الدولة، وكل مؤسسة إعلامية مسؤولة عما تنشر في إطار القيم المجتمعية السائدة، والمحاسبة تتم بموجب القانون، وهو المعمول به في مختلف البلدان التي تحترم حرية الرأي في العالم، والضمير المهني هو الذي يحكم عملية الممارسة من منطلق مبادئ مهنية يمكن أن نطلق عليها «ميثاق شرف صحافي».

على الرغم من ضغط عنصر الوقت في العمل الإعلامي بكافة أشكاله، وحرص كل وسيلة على السبق، إلا أن السياسة الإعلامية التي نحرص عليها هي التثبت من مصداقية الأخبار حتى لو تم التضحية أحياناً بعنصر السبق، وذلك من المبادئ الإعلامية الرصينة لكل المؤسسات التي تحترم المتلقي، وتكون رصيداً من الثقة بينها وبين الرأي العام داخلياً وخارجياً، لذا لم يسجل على مدار تاريخ وكالة أنباء الإمارات «وام» حالة واحدة سحبت فيها خبراً نشرته، وهو ما يزيد من مصداقيتها، وتأكيداً لهذه المصداقية هي الوكالة الأولى إقليمياً التي جمعت بين تقديم الصوت والصورة مع الخبر الصحافي.

إن قضية التوطين، وبخاصة في المجال الإعلامي، من القضايا التي لها الأولوية، وننطلق في ذلك من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حين يؤكد: «إننا لا نتطلع إلى التوطين فقط ولكن نتطلع إلى التوطين مع التأهيل».

من هنا فالتوطين لا يعنى فقط ظهور صوت أو وجه المواطن على شاشات التلفاز، ولكن توطين العملية التحريرية عبر التدريب المستمر وتوطين المضمون، بحيث يعبر الإعلام الإماراتي بشكل متميز وجذاب عن كافة القضايا التي تهم المواطن داخلياً وخارجياً، بنفس وروح مواطنة بعيداً عن التزييف أو الالتباس أو تكريس المصطلحات التي ترددها أحياناً بعض وسائل الإعلام العربية نقلاً عن الوكالات الغربية، دون وعي بخطورتها أو ترسيخ صورة نمطية عن واقع في حقيقته يفوق كل التوقعات بما يحققه كل يوم من نجاحات في أصعب الاختبارات.