لا أحد عاقلاً سليم الفطرة في هذا العالم يتملكه شعور بالغبطة إذا ما تعرض بيت جار له، من ذوي القربي أو الجنب، لخطر محدق كالحريق أو التصدع في البنيان أو حتى السرقة. فليس هناك من دولة رشيدة تسعد باندلاع صراع مسلح، داخلي أهلي أو إقليمي أو دولي، في جوارها. فالدول عادة ما تتحسب من أن يطالها شيء قليل أو كثير من لظى هكذا صراع.

القصد، أن كل خلق الله من الدول، السوية الخلقة والخلق، قد تنزعج وتفزع لمجرد التفكير بأن حرباً ما ستنشب داخل إحدى دول الجوار أو بين دولتين جارتين، أو أن واحدة من هذه الدول ستتعرض لهجوم عسكري خارجي غير إقليمي من قبل دولة أو أكثر.

كما أن كل الدول تقريباً، تحرص ما وسعها الحرص على سيادة حالة من السلم والأمن والتوافق والهدوء الإقليمي من حولها. وإذا ما تشوفت إحداها أن هذه الحالة باتت مهددة أو معرضة للانتهاك، فإنها غالباً ما تعجل بالتدخل بمختلف السبل المتاحة لإزالة التوتر وبسط الاستقرار مجدداً.

لكن إسرائيل وحدها عودتنا أن نراها تفرك أيديها طرباً لخبر من هذا القبيل. وخلال الشهرين الماضيين إلى ساعتنا لم تمل من استحثاث الولايات المتحدة، سراً وعلانية، كي تعجل بالحرب على سوريا.

وهي بهذه الفعلة وهذا التوجه تذكر المعنيين بدورها في إيقاد نار الحرب على العراق قبل عشرة أعوام، وعكوفها منذ سنين على استفزاز الغرب برمته لمهاجمة إيران ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. في أصلها وفصلها، وجدت إسرائيل لتمارس وظيفة إقلاق راحة العالم العربي بالأصالة عن نفسها وبالإنابة عن منشئيها ورعاتها الغربيين.

لكن دنيا السياسة الدولية تغيرت من حولها وحول العرب، حتى صار المنشئون يحاربون عنها بشكل مباشر. وأخيراً أصيب قادتها بأعراض الاكتئاب حين آنسوا بعض الدفء في العلاقات بين واشنطن وطهران وتردداً أميركياً في ضرب سوريا.

وعلى الرغم من كون التردد في هذا المقام مجرد موقف احترازي وعقلاني؛ لا ينفي أن قراراً بتوجيه هذه الضربة قد يتخذ في لحظة أو أخرى، فإن إسرائيل انحازت إلى الأطراف المعنية بالتشهير بالولايات المتحدة بعامة وبالرئيس باراك أوباما بخاصة. فهم يتداولون هناك أن القطب الأميركي بات، بعد هذا الموقف، خائراً ومهدداً بضعف المكانة وفقدان الهيبة.

لا ندري ما هو العيب في سياسة أميركية، أو غير أميركية، تنحو إلى تبصر مواضع الخطوات ومدارسة الآثار والتداعيات العاجلة والآجلة؟ الأرجح أن إسرائيل تقصد بهذا التشهير استفزاز واشنطن من باب الدفاع عن الكرامة والزعامة الدولية، ليس فقط للإسراع بضرب سوريا، وإنما تحسباً أيضاً من إمكانية تكرار نموذج التروي والتمهل إزاء مهاجمة إيران في ظروف تالية.

بعض الإسرائيليين المتنمرين ينطلقون من هذا الفهم تماماً ولا ينكرونه. فهم يقولون أنه "إذا كان الرئيس باراك أوباما دعا مجلس النواب للموافقة على قصف قليل من الصواريخ على منشآت سورية، فلابد أنه سيدعو لموافقة أوضح من هؤلاء النواب وغيرهم على عملية ضد إيران، باعتبارها ذات نتائج وانعكاسات أعمق".

كأن إسرائيل باستثارتها لواشنطن وتسخين رأسها ضد سوريا بذريعة تجاوزها للخطوط الحمراء، إنما تبغي من طرف خفي الاطمئنان إلى أن الأميركيين سيعجلون بالنيل من إيران، حين تتعدى بدورها هذه الخطوط.

والظاهر أن البيت الأبيض على وعي بهذه النية الخبيثة، التي تستسهل احتمال إغراق الولايات المتحدة في مستنقع آخر، الأمر الذي يوحي به توجيه تحذير إلى بنيامين نتانياهو من أن الرأي الرئاسي الأميركي ينحو إلى التدبر بعيد الغور، وأن على الإسرائيليين التزام الصمت. وبحسب ما ذكر ناحوم برنياع في صحيفة يديعوت أحرونوت، فقد انصاع نتانياهو لهذا الإنذار وأمر بطانته بابتلاع ألسنتهم إزاء موقف أوباما.

لإيلام الرئيس الأميركي على كبح الغضب والأناة والتفكير الهادئ ألف مرة قبل الضغط على الزناد، لاسيما إن كان الهدف قراءة الضربة وتداعياتها من منظور أميركا أولاً. وإنما يقع العيب والعار على نخبة الحكم في إسرائيل، التي ما انفكت تحرض الولايات المتحدة على شن الحروب التي قد تتأذى جرائها مصالح واشنطن وصورتها، فيما لا ينالها من إسرائيل سوى التصفيق والطنطنة والإشادة عن بعد.

البيئة الإقليمية مفعمة بالأصوات التي تتوعد بعدم إفلات الإسرائيليين من التوابع المؤذية، ترى ما الذي جعل إسرائيل لا تعبأ بهذه التهديدات. ما هي التطمينات التي تلقتها تل أبيب بهذا الخصوص، حتى بدت وكأن بيتها سيكون في مأمن مما يصفها البعض بالنتائج الكارثية؟ وإذا لم تكن هناك تطمينات ولا ضمانات ولا يحزنون، فهل بلغت الحماقة بالإسرائيليين الحد الذي يدعوهم إلى التهليل لحرب يتألمون من انعكاساتها؟