لا شك أنه مشهد عظيم، هذا الذي نعيشه اليوم، من شروق الشمس وحتى غروبها. وهو يوم من الأيام العظيمة، أقسم الله به في محكم كتابه، وأكمل فيه للناس دينهم، وأتم عليهم فيه نعمته، ورضي لهم فيه الإسلام ديناً، وله من الفضائل ما لا يُعَدّ ولا يحصى.

وعندما يقف الحجيج اليوم بعرفة، مشكلين واحداً من أكبر التجمعات البشرية، يجمعهم صعيد واحد، في ملابس واحدة، لا تستبين فيها غنيهم من فقيرهم، جاؤوا من شتى أرجاء المعمورة، ملبين دعوة أبي الأنبياء إبراهيم، عليه السلام، عندما أمره المولى، جل وعلا، بعد أن فرغ من بناء البيت العتيق، أن يؤذن في الناس بالحج، يأتوه رجالاً وعلى كل ضامر، من كل فج عميق. منذ ذلك اليوم وجموع الحجيج تتوافد على البيت العتيق، لتؤدي واحداً من أقدم وأكبر المناسك في تاريخ البشرية.

قبل أكثر من 1424 عاماً وقف نبي الإسلام، مرشد هذه الأمة الأوحد محمد، صلى الله عليه وسلم، في هذا المكان، في حجة الوداع، في السنة العاشرة للهجرة النبوية الشريفة..

وقد تنزل عليه الوحي معلناً ختام الرسالة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا. يومها ألقى الرسول القائد، صلى الله عليه وسلم، من فوق جبل الرحمة خطبة الوداع التي أكد خلالها مجموعة من القيم العليا، جاء الإسلام كي يرسخها بين البشر، وكانت أولى هذه القيم حرمة دماء المسلمين وأموالهم عليهم إلى أن يلقوا ربهم.

جاء هذا في مقدمة الخطبة الشهيرة التي استهلها، صلى الله عليه وسلم، باستنصات المسلمين وشد انتباههم إلى أهمية ما سيلقي إليهم، حين قال: "أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا". ثم توجه مباشرة إلى وصيته الأولى للمسلمين فقال: "أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟

اللهم فاشهد". ثم عاد، في منتصف الخطبة، ليؤكد مبدأ الأخوّة بين المؤمنين فقال: "أيها الناس، إنما المؤمنون أخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فلا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما أن أخذتم به لم تضلوا بعده؛ كتاب الله. ألا هل بلغت؟

اللهم فاشهد". ورسخ مبدأ المساواة بين البشر فقال: "أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد. كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى. ألا قد بلغت؟ اللهم فاشهد. فليبلغ الشاهد منكم الغائب".

نستذكر هذه الوصايا العظيمة، من تلك الخطبة الخالدة، في هذا اليوم المبارك، ونسترجع معها أكثر من 14 قرناً من تاريخ هذه الأمة، وقف خلالها ملايين المسلمين هذا الموقف الجليل، عبر عصور مختلفة، شهدت انتصارات عظيمة، مثلما شهدت انكسارات وهزائم ونكسات قاسية، شأنها في ذلك شأن كل الأمم.

وعبر كل تلك العصور لم يتوقف المسلمون عن أداء هذه الشعيرة العظيمة التي تمثل الركن الخامس من أركان الإسلام، لكن الكثيرين منهم توقفوا عن تنفيذ وصايا نبيهم العظيم في حجة الوداع، فلم يصونوا الدماء التي حرمها الله، ولم يحفظوا الأموال والأمانات التي أمرهم أن يؤدوها، ولم يرعوا الأخوّة التي زرعها بينهم، ولم يحفظوا الرقاب التي منعهم من ضربها كما كانوا يفعلون وهم كفار قبل الإسلام.

إن من ينظر إلى أنهار دماء المسلمين التي تسيل هذه الأيام، وحجم الأموال التي تهدر، والأعراض التي تستباح، ليس بأيدي أعدائهم، وإنما بأيديهم هم المنتسبون إلى الإسلام، وفي بلدانهم الإسلامية، يصاب بالصدمة، ويدرك حجم المأساة التي يعيشها المسلمون ويمرون بها في هذه المرحلة الملتبسة العصيبة من تاريخهم.

والشواهد على ذلك كثيرة، نراها كل يوم في العراق المستباحة أرضه من كل الجماعات والطوائف والبلدان، وفي سوريا التي لحقت بالعراق وكادت تصبح أسوأ منه، وفي باكستان المبتلاة بالانقسام العرقي والطائفي، وفي أفغانستان المزروعة أرضها بالإرهاب والاحتلال والتمزق..

وفي غيرها من الدول الإسلامية التي تجتاحها موجات الاقتتال والتفجيرات والعمليات الانتحارية بدرجات متفاوتة، ضاربين عرض الحائط بتوجيهات الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم، والنصائح الغالية التي أودعها خطبة الوداع في ذلك المشهد العظيم، الذي يتجدد اليوم، ولكن بوجوه مختلفة، وفي ظرف مختلف، أقل ما يقال عنه إنه مأساوي وحزين.

يقول الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تتداعى الأكلة على قصعتها. قال قائل: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ فقال: لا، بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل". وتجمع أغلب كتب السيرة على أن عدد المسلمين في حجة الوداع كان يتراوح بين 70 ألفاً و114 ألفاً، وفق روايات مختلفة.

وهو قليل إذا ما قارناه بعدد المسلمين الذي يحجون اليوم، ولا يقل عددهم عن 3 ملايين كل عام، في الوقت الذي يُقدَّر فيه عدد المسلمين في العالم اليوم بنحو مليار و600 مليون مسلم، يُتوقع أن يصل عددهم إلى مليارين و200 مليون بحلول عام 2030.

نعم يا رسول الله، صلى الإله عليك وسلم في هذا اليوم العظيم، نحن اليوم كثير.. ولكننا غثاء كغثاء السيل.