تتمتع دولة الإمارات ببنية تحتية راقية وبمشاريع وخدمات تتمتع بمواصفات عالمية عالية الجودة. فمنذ بداية تأسيسها ودولة الإمارات تحرص كل الحرص على استيراد وتطبيق أعلى معايير الجودة في مجالات الأمن والسلامة.
وبالتالي استطاعت الإمارات أن تؤسس لنفسها في العديد من المجالات الخدمية كالبنية التحتية، الإدارة، الصحة، التعليم والضمان الاجتماعي، سمعة رائدة لتطبيقها أعلى المواصفات وتخصيص أضخم الميزانيات للصرف على أوجه الإنفاق المختلفة، الأمر الذي جعل الإمارات من الدول الرائدة ذات التصنيف العالي خدمياً وإدارياً. كما تولي الإمارات تأهيل الكوادر البشرية اهتماماً كبيراً كون تلك الكوادر هي المسؤولة عن إدارة تلك الخدمات والارتقاء بها للوصول إلى أعلى معايير الجودة العالمية.
ولكن هل تعني جهود الدولة في توفير كل تلك الخدمات بأعلى المواصفات العالمية بأننا استطعنا الارتقاء بمقدرة الفرد على الاستفادة القصوى من جودة تلك الخدمات؟ هل الجميع قادر على الاستفادة من تلك الخدمات الراقية بالنسبة والنمط والطريقة نفسها؟ هل تمثل تلك الخدمات وبتلك المواصفات تحدياً للفئة من البشر؟ وما هي الأسباب التي تبرز كعنصر مهم في عدم استفادة الكثيرين من تلك المشاريع ذات المواصفات العالمية الراقية وتلك الخدمات المتميزة؟
نظرة عميقة على تلك المشاريع العملاقة وتلك الخدمات ذات المواصفات العالمية الراقية تقدم لنا أمثلة كثيرة وأدلة واضحة على ما نود أن نقوله. فما تقع عليه أعيننا بشكل دائم وما نسمع عنه بصورة يومية هي أمثلة واضحة على تلك الفجوة بين تلك الخدمات ومستخدميها. فمثلاً، تمتلك الإمارات أرقى شبكة طرق في الشرق الأوسط وربما في العالم، طرق شيدت على أرقى المواصفات العالمية لكي تضمن لمستخدميها السلامة والأمان حين استخدامها بما فيهم المشاة، وعلى الرغم من ذلك فهي تحوي أيضاً أسوأ رصيد في حوادث الطرق والتي يذهب ضحيتها شباب في عمر الورود هم في الواقع جزء مهم من الرصيد البشري لهذا المجتمع.
مثال آخر، ففي الدولة توجد أرقى الخدمات الطبية وأرقى المستشفيات وعلى الرغم من ذلك فإن الشكوى لا تنقطع سواء من طول الانتظار لتلقي الخدمات الطبية أو من صرف الأدوية أو حتى زمن الانتظار لتلقي العلاج أو إجراء العمليات الجراحية.
مثال ثالث هو مجال الخدمات المرتبطة بحياة الناس اليومية كالتعليم والضمان الاجتماعي. فعلى الرغم من تلك الميزانية الضخمة التي خصصتها الدولة لهذه القطاعات الحيوية إلا أن هذين القطاعين لم يسلما من تكرار الشكوى من تدني الخدمات المقدمة أو عدم كفاءتها أو أحياناً عن عدم مقدرة البعض من الاستفادة القصوى من الخدمات المقدمة في هذين القطاعين أو من تلك الميزانية الضخمة المخصصة لهما.
تلك المواصفات العالية الجودة وتلك الخدمات الراقية تدعونا إلى التفكير في أسباب ذلك العجز عن توظيف تلك الخدمات التوظيف الأمثل والاستفادة منها الاستفادة القصوى: هل يكمن في ضعف الأداء الإداري وعدم وجود الكوادر المؤهلة أم هي الثقافة الفكرية غير المؤهلة للتعامل بكل كفاءة مع تلك الخدمات والتسهيلات الراقية، أما هي الثقافة الاجتماعية السائدة عند البعض والتي ترفض الصعود إلى مستوى الخدمات والتسهيلات المقدمة؟ أما أن هناك أسباباً أخرى لا بد من معرفتها لتلافي ذلك العجز الخطير وتلك الفجوة الكبرى بين مستوى الخدمات المقدمة وذلك العجز عن الاستفادة منها؟
في الواقع جميع تلك الأسباب تبدو كعائق أمام استفادة الكثيرين الاستفادة الصحيحة من جودة الخدمات المقدمة. فمثلاً، تقف الثقافة الاجتماعية عائقاً أمام استفادة الشباب من الطرق الاستفادة الصحية. فالثقافة الاجتماعية وطريقة التربية والتنشئة والرفاه الزائد هي التي تدفع بالشاب إلى قيادة سيارته الفاخرة بكل تهور على الطرقات العامة والتسبب في إزهاق روحه وأرواح الآخرين وهي السبب الرئيسي وراء ذلك الكم الهائل من الأرواح التي تزهق على طرقنا سنوياً.
آلاف أخرى من البشر تعيش بيننا وهي لا تعرف ولم تتعود بعد على استخدام أساليب الإدارة الحديثة، وبالتالي فإن ثقافتها أو لنقل "قلة ثقافتها" تقف عائقاً أمام استفادتها من جودة الخدمات المقدمة. عدم كفاءة الكوادر البشرية أحياناً تلعب دوراً رئيساً في تدني الخدمات المقدمة على الرغم من جودة البنية التحتية وجودة الأدوات المستخدمة وقد ينطبق ذلك على التعليم أيضاً.
إن الارتقاء بالخدمات وجودة البنية التحتية لا يعني دوماً الارتقاء بالإدارة العامة طالما كانت هناك عوامل أخرى مؤثرة كالثقافة الاجتماعية ومستوى التعليم والوعي الذي حتماً يؤثر على نسبة الاستفادة من جودة الخدمات. فلا بد من دراسة كل هذه الأسباب كافة لتلافي تلك الفجوة الكبيرة بين مستوى وجودة الخدمات المقدمة ومستوى المتلقي لتلك الخدمات.