في مصر ، حرب اكتوبر، وفي سوريا حرب تشرين، لكأن الفرق في التعبير كما هو في العبور!

لكن النتيجة واحدة والتفاصيل مؤلمة بفرح. فرح الانتصار العسكري على الآلة العسكرية الاسرائيلية في اول حرب من ثلاثة حروب.

في الاولى العام 1948 احتُل نصف فلسطين، وفي الثانية العام 1967 احتُل باقي فلسطين ومعها الجولان وسيناء وجزءاً من لبنان، ولو كان عدد اليهود في ارض فلسطين اكثر لواصلوا الاحتلال "من الفرات الى النيل ارضك يا اسرائيل " كما هو مخطط في مشروعهم الصهيوني ودستورهم "البروتوكولات "!

لقد كان عبور الجيش المصري البطل قناة السويس يوم 6 اكتوبر وتحطيم خط بارليف معجزة عسكرية تسجل في التاريخ. وكان التنسيق بين القاهرة ودمشق نموذجاً لما يجب ان تكون عليه العلاقات العربية العربية.

وباعتماد عنصر المفاجأة، وهو سلاح اسرائيل في حرب 67 ، تقدم الجيش المصري في عمق سيناء ووصل الجيش السوري الى مسافة 800 متر من بحيرة طبريا الى حدود 1967. لكن عهر السياسة نجًس طهارة العسكر وخطف النصر الى الكيلو 101 والدبابات الاسرائيلية الى أبعد طلقات من دمشق.

فبدل تحرير الجولان صارت الجولان العام 1981 ارضاً اسرائيلية، وبعد شهرين من الآن ستنقب فيها اسرائيل عن النفط وتقيم اضخم محطة توليد كهرباء باعتبار ان ثلث مياه طبريا تأتي من الجولان المحتل. وانتقل الصراع العربي الاسرائيلي من ميدان العسكر الابطال الى افواه واوراق المفاوضين .ووُقعت معاهدات "السلام" التي بقيت في الوجدان العربي والواقع الشعبي مجرد حبر على اصفر الورق.

حرب اكتوبر-تشرين قهرت الجيش "الاسرائيلي " الذي لا يقهر، وقلبت موازين القوى التي فرضتها حرب يونيو حزيران 67 . بكت لنتيجة الحرب غولدا مائير، انتحر رئيس الاركان.

وتحسس مغتصبو فلسطين رؤوسهم وجوازات سفرهم وشهادات ميلادهم في بلدانهم الاصلية التي أتوا منها من جميع بقاع الارض وهي بلدان لفظتهم وساعدتهم على الرحيل، فهم لم يكونوا يوما الا اهل فتنة ومرابون وتجار جسد المرأة .اليست سالومي جدتهم وشايلوك شكسبير جد جدهم ؟!

منذ هزيمتها "العسكرية " في حرب اكتوبر تشرين 1973 ظل الاسرائيليون يتابعون الساسة بعين ويراقبون الجيش المصري بعشر. وخططوا لتدمير هذا الجيش موقنين انه الخطر الحقيقي على دولتهم لا البيانات السياسية والمفاوضات العبثية. ارادوا تفكيك الجيش واضعافه ليس بالحرب هذه المرة، بل بالفتنة التي اشد من القتل. وللأسف تورط "الاخوان " الاسلاميون في المخطط بقصد او بدون قصد لكن تدمير جيش مصر كان هو القصد.

كان المخطط احياء مؤامرة الشرق الاوسط الجديد الذي تم الترويج له في التسعينات وهو شكل هرم ضلعاه اسرائيل وايران ورأسه تركيا وبين هذه القوى الثلاث عالم عربي منزوع الدسم العسكري والسياسي والاقتصادي .

ومن سيناء التي انتزعتها مصر من الاحتلال كأحد نتائج حرب اكتوبر التي كان لابد لإسرائيل ان تقدمها تنفيذا لوصايا هنري كيسنجر ثعلب الصهيونية الاول في تلك وفي هذه المرحلة. من سيناء يبدأ المخطط ورأس حربته، للأسف ايضا، الاخوان وحماس بدعم الاسلاميين الذين يحكمون تركيا، وهؤلاء ليسوا بعيدين عن معدي مخطط اضعاف كل ما هو عربي وقتله بدعوى الدين .

لكن الجيش المصري لم يكن يوما الا الامين المتيقظ الحارس لأمن مصر والعرب ايضاً. ادرك الخطر وايقظ المصريين والعرب على ما يحاك لهم تحت العمائم الاجنبية والكلمات والخطب التي يراد بها باطل.

انتزع الجيش مصر من نفق كان يراد لها ان تعبره الى الهلاك وتنبه بعض العرب لما يعنيه ضياع مصر من مكانتها في قلب الوطن العربي وقضاياه المصيرية، وماذا يعني ان يحكم الوطن العربي من الاستانة وتل ابيب وطهران. لقد اراد "الاخوان " لأنفسهم و لمصر والعرب بالتالي ان يكونوا اتباعاً لمن استعمرهم خمسة قرون، اربعة منها عثمانية وقرنا بريطانيا فرنسيا اميركيا اسرائيليا. وتحت عباءة الدين مارسوا الشعوذة السياسية في المؤسسات والميادين وفي القصر الجمهوري ايضا .

كان احتفال مصر بالذكرى الاربعين لحرب اكتوبر جيشا وشعبا وقيادة، عبارة عن اكتوبر آخر عبرت فيه مصر من عنق زجاجة سوداء الى فضائها المحلي والعربي. وكانت كلمات الفريق عبد الفتاح السيسي عودة بمصر الى مكانها ومكانتها، عربية الانتماء والولاء، مصرية النيل والنخيل والتراب، وأن "الارض بتتكلم عربي" رغما عن كل الالسن العوجاء.