... وأغلقت الحكومة الفيدرالية الأميركية أبوابها! ففي الأول من أكتوبر الجاري، فشل الجمهوريون والديمقراطيون في التوصل لاتفاق حول إصدار ما يسمى "بالقرار التكميلي" الذي يتم بموجبه إرجاء الحكومة لثلاثة أشهر لحين التوصل لاتفاق شامل على موازنة العام المالي الجديد. وكنت قد ناقشت في هذا المكان منذ أسبوعين احتمال إغلاق الحكومة الفيدرالية لأبوابها، وقارنته بما جرى في عهد كلينتون. وطرحت سؤالاً يتعلق بما سيكون عليه رد فعل الناخبين الأميركيين هذه المرة. هل سيلقنون الجمهوريين الدرس القاسي نفسه الذي لقنوه لهم في أول انتخابات بعد إغلاق الحكومة في 1996؟.
والحقيقة أن رد فعل الأميركيين جاء سريعاً. فلم يكد يمر اليوم الثالث بعد إغلاق الحكومة الفيدرالية أبوابها، حتى كانت استطلاعات الرأى تعلن أن 72% من الأميركيين يرفضون الشلل الذي تعانيه البلاد، ويضع 44 % منهم اللوم على الجمهوريين لا على أوباما.
وقد انحسرت شعبية الجمهوريين في الكونغرس إلى 17%، بينما تصل شعبية الديمقراطيين إلى 32%. أما أوباما، فشعبيته حوالي 45%. فإغلاق الحكومة الفيدرالية لأبوابها كان معناه تسريح أكثر من 800 ألف من أصل 2 مليون من العاملين في الحكومة الفيدرالية.
فقد طلب منهم البقاء في منازلهم لأجل غير معلوم وبلا أجر إلى أن تستدعيهم الحكومة مجدداً للعمل. أما باقي العاملين بالحكومة الذين سيظلون في وظائفهم باعتبارها لا يمكن الاستغناء عنها لإدارة البلاد، فسيحصلون على أجورهم متأخرة عن موعدها. وإغلاق أبواب الحكومة يعني أيضاً التوقف عن تقديم خدمات كثيرة للمواطنين كاستخراج جوازات السفر أو التأخر في بعضها الآخر مثل صرف معاشات كبار السن، كما أظلمت الكثير من المواقع الإلكترونية للحكومة الفيدرالية التي تقدم خدمات للمواطنين.
ونقطة الصدام التي أدت لذلك كله كانت أن مجموعة لا تتعدى الثلاثين عضواً بمجلس النواب ومعها عدد محدود للغاية في مجلس الشيوخ استطاعت أن تجعل تمويل الحكومة الفيدرالية رهينة مقابل القضاء على قانون الرعاية الصحية الذي صدر في عهد أوباما. فقد أصروا على إصدار "القرار التكميلي" لينص على تمويل الحكومة الفيدالية لمدة ثلاثة أشهر، بشرط أن ينص أيضاً على منع تمويل قانون الرعاية الصحية الذي كان المقرر أن يبدأ العمل به في 1 أكتوبر.
وهو ما رفضه تماماً الديمقراطيون في المجلسين كما رفضه الرئيس، فمر الثلاثين من سبتمبر دون قانون لتمويل الحكومة فأغلقت أبوابها. وقد وجه أوباما مباشرة حديثه للرأى العام محملاً الجمهوريين المسؤولية، ومؤكداً أن "حفنة من الجمهوريين تشن حملة ضد قانون الرعاية الصحية" قائلاً إنه لا يعرف كيف لحزب سياسي أن تكون أجندته السياسية هي "منع الرعاية الصحية عن أولئك المحرومين منها".
وأكد أوباما صراحة أنه لن يتفاوض أن يتراجع عن أي ما يخص قانون الرعاية الصحية. لكن لعل أهم ما قاله الرئيس هو أنه اتهم صراحة رئيس مجلس النواب (الجمهوري)، جون بيينر، بأنه قد "صار أسيراً لدى حفنة صغيرة من حزبه". وبيينر خضع فعلاً لابتزاز النواب الذين فازوا بمقاعدهم رافعين أجندة حركة حفل الشاي. وقصة ذلك الابتزاز ترجع لبداية العام الحالي. ففي عامي 2011 و2012 كان بيينر يتفاوض سراً مع أوباما من أجل التوصل لتوافقات سياسية تفكك تعقيدات العلاقة المتوترة بين الكونغرس والرئاسة بشأن عدد من القضايا الكبرى.
لكن ما إن تسربت أنباء عن تلك المفاوضات السرية حتى تعرض بيينر لهجوم شديد من جانب أقصى يمين حزبه وخصوصاً من نواب حركة حفل الشاي. وهو الهجوم الذي كاد معه بيينر في بداية 2013 أن يفقد منصبه كرئيس للمجلس.
والحقيقة أن ابتزاز نواب حركة حفل الشاي، لم يقتصر على بيينر، زعيم حزبهم فى مجلس النواب. فقد طال أيضاً زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل عبر تهديده بخسارة مقعده في انتخابات 2014 التي بدأ بالفعل منافسه الجمهوري فيها يتهمه ببيع مبادئه والتحالف مع الديمقراطيين. بينما يهاجمه الديمقراطيون في الولاية بأنه صار رهينة لأقصى اليمين في حزبه. غير أن الهدف الأول لذلك الابتزاز هو أوباما نفسه، عبر رسالة تقوم على منطق "إما و إما": إما تمويل الحكومة الفيدرالية وإما قانون الرعاية الصحية.
لكن يبدو أن ذلك الابتزاز حين أدى لانخفاض شعبية الجمهوريين شجع قيادات الحزب في الكونغرس على التمرد. فقد شهد الأسبوع الماضي مشادة حادة بين السناتور تيد كروز الذي تزعم نواب حفل الشاي في تلك المعركة، وبين زعيم الحزب بالمجلس ميتش ماكونيل. وهي المشادة التي اصطف فيها حوالي 21 جمهورياً في مجلس الشيوخ لجانب ماكونيل، واتهموا كروز بأنه أغرق الحزب ولا يملك استراتيجية واضحة للخروج من الأزمة.
لكن المعركة بين كتلة أقصى اليمين في الحزب الجمهوري مع كل الأطراف، ديمقراطية كانت أو جمهورية، لن تتوقف عن ذلك الابتزاز بخصوص تمويل الحكومة. فالطرفان على موعد في 16 أكتوبر الجاري لتجديد رفع سقف الدين حتى تستطيع الولايات المتحدة الوفاء بتعهداتها. لكن الجمهوريين منذ البداية ربطوا الموافقة على رفع السقف بتخفيض الإنفاق الفيدرالي. وهو ما لا يقبله الديمقراطيون.
وأوباما والديمقراطيون متمسكون بموقفهم ويرفضون التفاوض بشأن قانون الرعاية الصحية. ويصرون على تمويل الحكومة الفيدرالية وفتح أبوابها دون شروط. وهم يصرون أيضاً على عدم التفاوض بشأن رفع سقف الدين. وتلك بالضبط هي الأزمة التي سيواجهها الزعماء الجمهوريون. فعدم رفع سقف الدين له عواقب أسوأ بكثير من إغلاق الحكومة الفيدرالية أبوابها. لذلك، فإن احتمالات خضوع قادة الحزب الجمهورى للابتزاز في مثل تلك المسألة الخطيرة ستكون في تقديري أصعب بكثير من ابتزازهم بخصوص تمويل الحكومة الفيدرالية.