وضعت الفتاة كيس قطع الكعك بجانبها على كرسي الانتظار في المطار، ولم تُصدِّق وهي ترى الجالس بجانبها يدخل يده في الكيس ويخرج قطعة ويأكلها! سكتت على مضض وأخذت قطعة بدورها، انتبهت لابتسامة الرجل لها قبل أن يدخل يده من جديد للكيس ويأخذ أخرى.. ازداد توترها لهذه الوقاحة، لكنها لم تقل شيئاً وأخذت قطعة جديدة تسد بها جوعها. أخرج الرجل القطعة الأخيرة وابتسم من جديد وهو يسلمها نصفها، انتزعتها بعصبية من يده ولم تَرُدّ تحيته وهو يُغادر، وعندما استقر بها الحال على مقعدها في الطائرة انتبهت إلى أن كيس الكعك ما زال في حقيبتها، وأنها كانت تأكل من كيس الرجل!

ليس حسن الظن بالآخرين هو المستفاد من القصة، وهو مطلب مهم لا شك، ولكن يُضاف لذلك أنّ أحكامنا أحياناً تشوبها الانتقائية الممجوجة والأحكام الموضوعة مسبقاً لمن حولنا، فإن قطّب، من لا نستسيغ، حاجبيه فهو كاره يُعلِن بُغضه، وإن ابتسم فإنّه يسخر أو يظهر الشماتة لأمرٍ نجهله عنّا.. وقس على ذلك أموراً لا تنتهي في العقلية العربية تحديداً، وهي عقلية تُحرّكها العواطف وتؤطرها المشاعر، إلا لدى من رحم الله وقليلٌ ما هم!

إنّ تويوتا تستقبل ما معدله 2 مليون مقترح أو انتقاد سنوياً، وتنفّذ منها ما نسبته 98% لتُصبح بذلك أكبر شركة إنتاج سيارات في العالم وأعلاها جودةً، ولو قلّدت بعض العرب لجلستْ سنين طويلة وهي تتباكى على المترصدين لها والغيورين من نجاحها، دون التفاتٍ لأنّ في كل انتقاد، مهما كان صاحبه، فائدة تُرتجَى أو عيباً يُتلافى أو شائعةً تُبَدّد، وهو الأمر الذي فطن له الفاروق عمر رضي الله عنه عندما قال: "رحم اللهُ امرأً أهدى إليّ عيوبي".

والغريب أن المنطق النقدي هو أساس نجاح نهضة الغرب الذي نطمح لمنافسته، ونحن قادرون على ذلك إن أخذنا بالوسائل الصحيحة، وما زالت الحركة النقدية نشطةً للغاية هناك، ليس للثلب أو الترصد أو "كسر المياديف" كما يطنطن البعض في بلاد العُربان، ولكنها لرصد الانحرافات والتنبيه على بوادر القصور، ودق جرس الإنذار لتلافي الأخطاء قبل أن يستفحل الأمر ويتّسع الفتق على الراتق، دون اغترار بما نجحت فيه فقط في اجتزاءٍ مُخلٍ بالصورة الكبيرة وانتقاءٍ غير مبرر للواقع. فمن غير المنطقي أن تخرج من مدينة العين في اتجاه رأس الخيمة، وتتعامى عن مؤشر خزّان الوقود الذي شارف على النفاد، فرحاً بكون كرسي السيارة مريحاً ومكيفها عالي البرودة!

من المهم أن نعي أنه لا يكفي أن تكون على المسار الصحيح، بل لا بد أن تجري عليه عندما يمشي البقية إنْ كنت جادّاً في منافسة الآخرين لا محاكاتهم فقط.. ولا قيمة لكون المرء شديد الانشغال، بل المهم أن يكون ذلك الانشغال في أمرٍ ذي فائدة، وليس مجرد روتينيات لا تسمن ولا تغني من جوع.. ولا طائل وراء الإنشائيات والتعميمات عند طرح إحداث النقلات النوعية للمؤسسات، فمن المعروف بداهةً أنّه حيثما قلّت الحقائق كَثُر الفلاسفة والمتحذلقون، وعندما يُنهِك المرضُ الجسدَ فوحدها وصفة الطبيب بمرارة أدويتها، ما يكون بمقدورها بعد إرادة الله إبلال الجسد من مُصابه، وليس قطع الشوكولاتة المحبّبة للنفس.. وكلما نضج المرء أكثر وخَبَرته الليالي وأنضجت تجربته، كلما تيقّن هذه الحقيقة أكثر!

إنّ ثقافة "الحصاد السليم" تقوم على التخطيط المتزن والالتزام الكامل، الذي يخدم الصورة الكبيرة التي تحلم المؤسسات باختلاف أحجامها بالوصول لها، وليس بالبحث عن الانتصارات السريعة الـمُلمّعة للبعض، حتى لو شكّلت خروجاً سافراً عن المسار.

ولو أردنا تحقيق تلك الصورة المثلى، فمن المحتّم أن نرى من أُوكِل له ذلك الأمر لتخطيطه أو تنفيذه أو متابعته أو تقييمه بعدئذ، فإن أرادت مؤسسة ما أن تنافس جنرال إلكتريك على سبيل المثال، فلتسأل نفسها: هل من يشغل منصب المدير التنفيذي لدي قادرٌ على إقناع جنرال إلكتريك بإقالة "جيف أيملت" وتعيينه مكانه، أم أنها هي فقط من تراه قد بزّ الأولين والآخرين؟ فكل الأنظمة والخطط لا تعني شيئاً إن كان من توكل إليه لا يعرف إلا مصطلحات برّاقة يُردّدها كل حين وفي كل مقام، ولا يحيط نفسه إلا بمن هم على شاكلته، فتموت المؤسسات ببطء لغياب التنوّع!

التنوّع والقيادات الفذّة ومنهجية مواقيت "الموت السريع"، هي التي جعلت وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة في البنتاغون المسمّاة DARPA، تُقدّم منتجاتٍ ثورية دون ضجيج، بداية باختراع الإنترنت ومروراً بأنظمة التموضع العالمي GPS وتقنية RISC للحوسبة وتقنية طائرات التخفي والتقنية الثورية لاستشعار الحركة للجنود داخل المباني المحصنة.. وغيرها الكثير، من خلال وضع أهداف طموحة جداً وذات معدلات تحدٍّ عالية للغاية، لحل مشكلات حقيقة مستعصية أو ابتكار حلول وفرص تشكّل إضافة كبيرة للعالم، وبتشكيل فرق عمل متنوّعة الاختصاصات لِمُدد زمنية قصيرة غير قابلة للتمديد، وبإشراف قيادات ذات نجاحات كبيرة في السابق.. خبرة نجاحات، وليست خبرة سنين فقط!

التنوّع هو ما يخلق الفارق وليس التماثل، فلا تنتظر وجبة "مكبوس" إن كنت لم تُقدّم للطاهي سوى الرُز والماء والملح فقط.. ومن أراد قلب الطاولة على بقية منافسيه، سيكون ملزماً بتنويع من حوله كعقليات وقدرات وليس كأسماء فقط، فلطالما تبدّلت الأسماء ولكن الفكر هو هو. ومن المهم أن نستمع دون أحكام مسبقة، ودون دوران سقيم في التفسير التآمري لكل ما نسمع، فصَديقك من صَدَقَك لا من صَدّقَك.. فلا تعبس في وجه من قدّم لك قطعة كعك، فربما كانت من كيسه هو لا كيسك!