لا شك أن التمايز بين البشر من أعظم سنن الله في خلقه، فهم بهذا الاختلاف، سواء في القدرات النفسية والمهارية، أو في الاهتمامات والتطلعات، أو في ما يسعدهم وما يحزنهم، أو في ما يقبلون عليه ويتجنبونه، أو في ما يجيدون فعله باتقان ومالا يجيدونه؛ هذه الاختلافات آية من آيات الله، حتى أنك تجد بصمات أصابعنا تختلف عند كل واحد منا، لتعطينا رسالة واضحة بأنه ليس هناك من يتطابق مع الآخر. وهذا الاختلاف في حد ذاته هو ما جعلنا نعتمد على بعضنا البعض، ولا يمكن أن يستغنى إنسان عن غيره من البشر، لأن لكل واحد منهم بصمة تختلف عن الآخر، وهي آية ربانية في أن لكل إنسان أثرا يختلف عن الآخر، وأدوارا يقوم بها ويعجز عنها الآخر، وهذه مسلمة يجب أن ندركها.
وآية ذلك عندما ينتظم البشر في فرق عمل، فتتباين القدرات وتظهر الفروق الفردية بين الأفراد، إلا أن كل دور، مهما صغر، يكون مهما في إنجاح عمل الآخر، وهنا يأتي دور المدير الذي يستطيع أن يرى الصورة بشموليتها، كالفرقة الموسيقية التي تعزف لحنا واحدا، ولا يمكن أن تغفل عن أية آلة مهما صغر دورها، كما أن النشاز والخروج عن اللحن قد يفسد العمل كله. ولكي تتوافق الفرقة الموسيقية وتضبط إيقاعها، لا بد من وجود المايسترو أو قائد الفرقة، الذي يوزع الأدوار ويحدد دور كل عازف حتى يخرج لحنا متكاملا تطرب له الآذان ويصفق له الجمهور، ومهما كانت براعة العازفين فإنه من غير الممكن أن تجد فرقة موسيقية بدون قائد لها.
وهنا يظهر الدور الذي يقوم به قائد العمل (المدير) في إنجاح المنظومة بصفة عامة، أيا كانت طبيعتها ومهما كان المجال الذي تعمل فيه. وفي تقديري أن نجاح العمل يتوقف بصفة كبيرة، على طبيعة شخصية وقدرات المدير بالدرجة الأولى. والتاريخ يخبرنا أن التحولات التي حدثت في تاريخ البشرية قامت على أفكار أفراد، وأن قاطرة التقدم البشري كان في مقدمتها أفراد، لذا فإن المدير الناجح يستطيع أن يبعث طاقة مضاعفة في نفوس العاملين معه، بحيث يستنفرها ويحفزها للتميز طوال الوقت.
إن المدير الناجح هو الذي يدرك بحسه الإداري، الفروق الفردية بين العاملين معه، كما أن قدراته تكمن في توظيف الطاقات في مكانها المناسب، كالمدير الفني في كرة القدم الذي يوزع المراكز على اللاعبين؛ إلا نرى أحيانا أن فريقا يكون من فرق القاع في مسابقة كرة القدم في أحد المواسم، ثم تقوم إدارة النادي فقط بتغيير المدير الفني للفريق فيتحول الفريق إلى المنافسة على المراكز الأولى في المسابقة، بنفس اللاعبين الذين كانوا يصارعون الهبوط في البداية.
السؤال؛ ماذا حدث؟ الحق أنه دور المدير الذي يستطيع أن يرى الصورة بكافة جوانبها، ويوظف الطاقات، ويشعر كل فرد بأهمية الدور الذي يقوم به، ويدخل في التفاصيل دون أن تستغرقه ويتوه في دروبها فيصبح جزءا من المشكلة ويفقد القدرة على الحل.
المدير الناجح هو الذي يستطيع أن يملك طاقة إيجابية يمد بها من حوله، فلا يقف عاجزا أمام مشكلة مهما عظمت، ويدرك دائما أن هناك طريقا أفضل يجب اتباعه، كما أنه يفكر دائما خارج الصندوق، ولا يختار من بين البدائل المطروحة عليه، لكنه يطرح بديلا جديدا بعيدا عن كل البدائل. فحل المشكلة لن يكون أبدا بنفس الطريقة التي أوجدتها، ولكن يأتي التفكير بطريقة مغايرة، والناجحون هم دائما الذين يتحدثون عن الحلول، وغيرهم من يكثر الحديث عن المشكلات.
ووضوح رؤية المدير وقدرته على تحديد الهدف الذي يصبو إليه، وتجميع جهود من حوله لتصب في طريق الإنجاز، يزيل الإحباط الذي يقع حينما تتوه البوصلة بعيدا عما هو مطلوب، فيضيع الوقت ويهدر الجهد، كما أنه يستطيع أن يرى في الأزمات فرصه لإثبات القدرة على الصمود، وفي المحن منح وفرصة لتدريب النفس وصقل مهارات المواجهة.
كما أن الإدارة الناجحة هي التي تؤمن بالتخطيط، وتفكر كثيرا على الورق قبل أن تخطو خطوة واحدة، والمدير الحق هو من يفكر ويخطط لساعات وبعدها يعمل لدقائق، لأن التخطيط هو الطريق الوحيد إن لم يكن الأوحد للإنجاز، وبغيره قد نسير كما النمل الفارسي في خطوط متداخله ومتشابكة، ويضيع تحت أقدامنا الطريق وتتعثر خطانا. كما أن المدير الذي يهوى النجاح يجمع حوله الناجحين، ومن يفكر بطريقة أفضل يحب دائما أن يجلس مع من يفكر، أما ضعاف الهمم فيفرون منهم حتى لا يذكرونهم بقصورهم.
إنني على يقين أن الكثير من المشكلات التي تعاني منها الأجهزة الإدارية في عالمنا العربي، لا ترجع إلى نقص إمكانات بقدر ما ترجع إلى سوء الإدارة والبعد عن التخطيط السليم، وهو ما يؤكد أن آلاف العاملين لن يكتب لهم النجاح في غياب العقل المدير، الذي يستطيع أن يحدد الهدف ويوحد الجهود، وأعتبره مثل الرأس من الجسد لا يستطيع العيش دونها، لذا فإن المدير الناجح هو الطريق إلى نجاح المنظومة الإدارية.