يصادف يوم 7 أكتوبر ذكرى وفاة المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي (1958-1990)، باني دبي الحديثة وأحد واضعي أسس اتحاد الإمارات. لم يكن الشيخ راشد حاكماً عادياً، بل كان يتمتع بروح قيادية متميزة وعقلية اقتصادية لا مثيل لها.
وصفه من تعامل معه من رجال مال وأعمال وإداريين ومن أتيح له لقاؤه من ضيوف دبي، بأنه صاحب عقلية براغماتية كبيرة وذكاء فطري رائع، ويمتلك نظرة جدية للمستقبل، وهي كما يبدو ميزة ورثها عن أسلافه مثل مكتوم بن حشر وغيره من حكام آل مكتوم.
ورث راشد إمارة منتعشة اقتصادياً، ولكنها بحاجة إلى العديد من المشاريع الحيوية التي سوف تزيد من انتعاشها الاقتصادي وتلبي حاجات المجتمع التجاري المتنامي، وتضخ الحياة في عروق العديد من المناشط الاقتصادية المختلفة، كالتجارة وإعادة التصدير وتجارة الذهب، وغيرها من النشاطات الاقتصادية المرتبطة منذ القدم بموانئ الخليج.
لم يكن النفط قد اكتشف بعد، لذا كان على الشيخ راشد التحرك ضمن إطار محدد، من ناحية توفير الاعتمادات المالية المطلوبة والتخطيط الجيد للموارد المتوفرة. فقد كان عليه أن يعتمد على الإيرادات البسيطة المتوفرة، والتفكير جيدا في توفير مصادر أخرى للإنفاق على مشاريع دبي المستقبلية.
وفي هذا المجال تميز راشد بأنه عرف ليس فقط كيف يوظف المصادر المالية المتوفرة والاستفادة منها إلى أقصى حد، بل وإقناع الآخرين من حكومات عربية وبنوك أجنبية وتجار محليين، بالمساهمة في حركة التنمية التي كانت دبي تشهدها آنذاك.
إداريا استطاع راشد، ومنذ البداية، استيراد وتطبيق أعلى معايير الجودة في الإدارة الحديثة المتوفرة آنذاك، وعرف كيف يستقطب العناصر البشرية المتميزة وأن يوظفها خير توظيف، وأن يعطيها حرية اتخاذ القرارات المناسبة دون تدخل كبير منه، لذا تميزت دبي إداريا قبل الآخرين ونهضت ضمن رؤية مستقبلية جيدة، فلا عجب أن تظل دبي تتمتع بهذه الميزة حتى الآن.
كان راشد قائداً حالماً، فقد أراد لدبي أن ترتقي إلى أعلى مقام، وأن تحتل مكانة أكبر بكثير من حجمها الجغرافي. فقد كان راشد يدرك بذكائه الفطري مكانة دبي وأهمية موقعها الجغرافي، ليس فقط بالنسبة لمنطقة الخليج العربي، بل بالنسبة إلى جوارها الآسيوي كالقارة الهندية وإيران.
لذا أرادها أكثر من مجرد ميناء للتجارة وإعادة التصدير، بل أرادها أن تكون موئلا اقتصاديا وماليا يضاهي ما لدى هونغ كونغ وسنغافورة وربما أكثر، لذا خيل للكثيرين أن حلمه قد خرج من نطاق الممكن إلى نطاق المستحيل. وعلى الرغم من صعوبة تحقيق ذلك الحلم، إلا أن إصرار راشد على الوصول بدبي إلى تلك المكانة هزم كل المستحيلات، وما هي إلا سنوات قليلة حتى تبوأت دبي تلك المكانة بجدارة، بفضل جهود من سهر لتحقيق ذلك الحلم.
لم يكن راشد من الطامعين في الثناء رغم أنه يستحقه، ولم يكن من المتطلعين للمجد على الرغم من أنه أهل له، ولكنه كان قائدا راغبا فقط في إسعاد شعبه، رغم الإمكانيات المادية البسيطة ورغم ظروف الزمان والمكان. ولكن راشد، كأسلافه من الحالمين بالأفضل، كان مصراً على تحقيق ذلك الحلم. فقد حلم راشد بأن يجعل من دبي أنموذجا تنمويا مختلفا عن جواره، ونجح راشد وأصبح حلمه حقيقة.
امتلك راشد شخصية فيها الكثير من الكاريزما والكثير من المنطق الذي استغله لكي يشرح لأولئك المشككين في رؤيته، أسباب اختياره لهذا الأنموذج أو ذاك أو هذا المشروع أو ذاك. وعلى الرغم من صفاته القيادية، إلا أن شخصيته كانت تتسم بالبساطة، وكان بعيدا عن التكلف والتصنع، محباً للعمل ودائم التطلع للغد بكل ما يحمله من متغيرات ومستعداً لها. لقد كان راشد أنموذجا للقائد القريب من شعبه، يحس بمشاعره، ولا يتردد في مشاركة أفراد شعبه أفراحهم وأتراحهم.
كانت رؤيته لدور دبي الاقتصادي مختلفة، فقد كان منذ الخمسينيات يحلم بأن يجعل من دبي أنموذجا تنمويا يختلف كل الاختلاف عن كل ما كان موجودا في المنطقة.
فقد كانت رؤيته المستقبلية لدبي تخرج عن الدور المرسوم لموانئ الخليج منذ الأزل، وهو التجارة وإعادة التصدير. لقد كان حلمه أن تكون دبي مركزا ماليا وحضاريا، وليست فقط مركزا تجاريا. لذا أصبحت دبي تلقب ومنذ الخمسينيات بـ"فينيسيا الخليج"، وسنغافورة الشرق الأوسط، وهونغ كونغ الشرق.
كان راشد يبحث لدبي عن الأفضل سياسيا واقتصاديا وحضاريا. فسياسيا كان يدرك بحكمته أن مستقبل دبي مرتبط بمستقبل الإمارات المجاورة لها، إن لم يكن هو مستقبلها. لذا كان هو ورفيق دربه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراهما، مهندسي اتحاد الإمارات، فهما صاحبا فكرة الاتحاد الثنائي التي تبلورت منها فكرة الاتحاد السباعي.
واقتصاديا أراد راشد أن تحتضن دبي مشاريع كبرى رائدة في المنطقة، كالموانئ الكبيرة والبنية التحتية المتطورة التي تضم الطرق والأنفاق والجسور، وقد يكون أهمها على الإطلاق هو تعميق الخور الذي هو شريان الحياة في دبي. لم تكن موارد دبي في تلك الفترة تسمح بالمضي قدما في تلك المشاريع المكلفة.
ولكن راشد تمكن بفضل اتصالاته الإقليمية وبمساعدة المجتمع التجاري، أن يجمع الأموال اللازمة لتنفيذ كل تلك المشاريع التي حلم بها، من جسر ونفق يربطان ضفتي دبي، وميناءين كبيرين هما ميناء راشد وميناء جبل علي، ومركز تجاري يعد الأعلى في دبي، ومطار دولي يربط دبي بالعالم.
لقد كان راشد وراء الألقاب التي حازتها دبي، فأحيانا هي الوصل التي تصل الشرق بالغرب، وأحيانا هونغ كونغ الشرق الأوسط بمركزها المالي، وأحيانا كثيرة هي دانة الدنيا التي تنشر عبقها في كل مكان.
لقد أسس راشد لدبي لكي تكون مدينة المستقبل، المرشحة لتحتضن في عام 2020 إكسبو العالمي.