نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في الثامن والعشرين من سبتمبر المنصرم، خريطة جديدة تظهر تقسيم خمس دول في منطقة الشرق الأوسط إلى أربع عشرة دولة.
\ولا يغيب عن الراصد وهو يتمعن هذه الخريطة، ملاحظة أن هذا التقسيم قد أخذ بنظر الاعتبار الخصائص العرقية والمذهبية والعشائرية للمجتمعات في هذه الدول الخمس. وترى الصحيفة أن الصاعق الذي سيُفجّر عملية الانهيارات في هذه الدول، هو الحرب الدائرة في سوريا التي تحولت من حرب لإسقاط النظام القائم إلى حرب ذات طابع طائفي.
الملفت للنظر في هذه الخريطة، أنها تتناول دولاً عربية فقط، مع العلم أن دولاً غير عربية هي الأخرى متنوعة الأعراق والأديان والمذاهب والعشائر، موجودة ضمن المنطقة.
والحقيقة أن منطقة الشرق الأوسط، حيث للماضي البعيد حضور قوي في الحياة اليومية بكل ما يحمله من بغضاء وأحقاد، زاخرة بالصراعات البيّنة والخفية، القديمة منها والمستجدة. وليس من الفراغ أن يتوقع بعض المحللين أن عدداً من دولها مرشح للانهيار، بفعل تفاقم عوامل التناقض والفرقة الداخلية، خاصة أن معظم السلطات الحاكمة فيها لم تقدم ما يكفي من الإصلاحات للتخفيف من حدتها، إلا القليل الذي يأتي دائما متأخراً.
إن استعراضاً للأحداث الكبيرة التي وقعت في العالم على مدى أكثر من عقدين من السنين، يكشف لنا عن حقيقة هامة وهي أن من أبرز سمات مرحلة ما بعد الحرب الباردة، هو التغيرات الكبيرة في الخرائط السياسية وفي موازين القوى، بفعل التغيرات الهامة التي حصلت في الخرائط الجغرافية.
فقد شهدنا حتى الآن عدداً من الانهيارات على مستوى الدولة، كانت باكورتها انهيار الاتحاد السوفييتي الذي أعقبه الاتحاد الروسي، ثم الاتحاد اليوغسلافي، ثم صربيا وانفصال كوسوفو عنها، ثم السودان الذي انفصل جنوبه عن شماله.
وإذا كانت الانهيارات هذه قد حدثت على أسس قومية ودينية، فإننا نشهد بوادر تفكك وانهيارات جديدة في عدد من دول الشرق الأوسط، على أطر أكثر ضيقاً وهي الأطر المذهبية ضمن الديانة الواحدة، والأطر القبلية والعشائرية ضمن المُكون الواحد.
ذلك يضعنا أمام مفارقة من نوع غريب، ففي الوقت الذي نرى فيه الشعوب تقترب من بعضها في العالم الغربي وتتراخى صلابة الجدران الحدودية بينها، وتلتقي وتتوحد على أجندة من أجل خير الإنسان وسعادته، تاركة خلف ظهورها كل ما صنعه الماضي القريب والبعيد من شروخ خطيرة في بنيتها الفكرية والثقافية، نرى عكس ذلك يحدث في الدول التي أورق فيها الربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط.
إذ يبدو أن هذا الربيع بعد أن زرع أزهاره في هذه الدول، أنشب أظفاره في أجسادها واستدعى إلى ساحاتها "الماضي" حاملاً ثقافة الفرقة والاحتراب، لتصبح أجندة سياسية تمزق أشلاء هذه البلدان، لأنها لم تعد تنسجم مع قيم الحاضر وثقافته ولا تتماهى مع أحلام وطموحات الإنسان في القرن الحادي والعشرين، بل تتعارض كليا مع مصلحته حاضراً ومستقبلاً.
إنها ظاهرة مركبة تستحق التوقف عندها، فهي ذات طابع سياسي واجتماعي وثقافي وحضاري، ويمكن وصفها بلا أي تردد بأنها أخطر الظواهر التي تعيق تقدم الأمم والشعوب، وتعبئها فكرياً وسيكولوجياً للتشرذم.
الفرق بين الحالتين هو حقبة زمنية طويلة، أثبت فيها الغرب أنه صانع للتاريخ وأثبتت دول الشرق الأوسط أنها صنيعة للتاريخ. فقد تقدم الغرب وبقيت الأمم في منطقة الشرق الأوسط منطوية على ذاتها، تتعامل مادياً بالمعطيات الجديدة المتطورة في العلوم والتكنولوجيا، إلا أن التطور الاجتماعي والثقافي لم يكن مرافقاً لذلك.
حيث بقيت السلوكيات المنبثقة عن الانتماءات الموروثة على حالها، وربما تعززت بعد أن أصبحت لها مؤسسات قوية لرعايتها وقادة يعملون في العلن ليديموا هذه الموروثات معششة في أذهان الناس، من خلال تثقيف يديم بقاء هذه الفرقة.
ويبدو أن ذلك نابع في الأساس من حقيقة أن الأنظمة الجديدة التي حلت بدل الأنظمة التي أسقطت، لم تجد لها فلسفة وبرامج عمل وهوية واضحة الانتماء، تستطيع من خلالها أن تقدم نفسها كبدائل قوية عن الأنظمة التي أسقطت. ولعل أحد أبرز أسباب تعثر العملية السياسية في دول الربيع العربي، يكمن في عقلية النخب السياسية وثقافتها المضطربة غير المنتمية. فالركائز الثقافية لهذه النخب بدت خلال الممارسة هشة مضطربة يعوزها النضج.
وذلك بسبب الخلل السياسي والاجتماعي الذي رسم معالم ثقافة وسلوك هذه النخب، التي عاشت معظم حياتها السياسية في الخارج. فهي في الحقيقة لم تنفصل جسدياً عن أرض أوطانها فحسب، وإنما انفصلت عنها فكرياً وثقافياً ووجدانياً، وأصبح لها ما يملأ هذه الفضاءات مما لا ينتمي للوطن سوى بالاسم.
إن الإخفاقات السياسية والتنموية في دول الربيع العربي، تعكس الظاهرة الحقيقية التي تتميز بها مجتمعات هذه الدول، وهي عدم نضوج الوعي السياسي مما يسهل انقيادها والحصول على ولاءاتها وتوظيفها لصالح قوى لا تنتمي إلى العصر إلا يمظهرها الخارجي، أما فكرها وثقافتها فهما في الجوهر رفض للتحضر ورفض لما تتطلبه نكهة العصر وسماته. فقد أخفقت سياسياً وتنموياً، ولم تنجح في تقديم برهان على أنها تمتلك كفاءات إدارية وتنظيمية بديلة عما كان لدى الأنظمة التي أسقطت.
فالفشل والإخفاق والتعثر، خاصة في المجال التنموي، لم تأت من نقص في الموارد أو من نقص في الخبرات والكفاءات، بل تأتت من سوء الإدارة وإبعاد الكفاءات وتصفيتها، وفقدان الإرادة السياسية للنهوض بالمجتمع. فالثروات تهدر ولا يستفيد من ذلك سوى طبقة نفعية طفيلية، نسجت لها علاقات مصالح مع بعض النخب السياسية الحاكمة.
وليس من المستغرب في ضوء تخبط الأنظمة الجديدة، انتعاش ظاهرة التفكك وانتعاش دعوات الاستقلال على أساس عرقي أو مذهبي أو مناطقي أو عشائري، فهناك فئات في هذه المجتمعات ترعى مشاريع كهذه، وهناك من يشجعها ويدعمها من الخارج. ومما يقوي مساعي هذه الفئات، التخلف وضعف الوعي السياسي لدى فئات واسعة من المجتمع، تمنح صوتها الانتخابي لمن ينجح في توظيف ولاءاتها.