لكأن النيل عاد إلى مجراه بعد عطش سنة.. لكأن مصر استيقظت من كابوس العمامة واللحية المصطنعة. عاد الناس إلى جوامعهم وجامعاتهم ومصانعهم، وإلى الغيط والقطن والشجر، الذي عمره بعمر الصعيد، أخضر بلون القلوب الطيبة. مشت الشوارع في حاراتها وقاهرتها وفي مدن الدين والدنيا.
نجت مصر من الغرق في الفتنة الدموية والانقسام الذي كان سيؤدي إلى التقسيم.. استعادت وحدة شعبها الذي علَم ذات عبدالناصر معنى الوحدة العربية.
محمد مرسي، الرئيس المصري لسنة لم تكن قابلة للتجديد، مجرد ضحية لقادة تنظيم الإخوان العالمي. هذا التنظيم اختطف بعد حسن البنا، الذي أدان سياسات الجماعة وظل يحث على سلمية نشاطاتها.
استغل، ونشدد على كلمة استغل، التنظيم لتنفيذ مخططات صهيونية، من بينها محاولة قتل عبدالناصر في الاسكندرية لكنه فشل، ثم اغتيال السادات "وحده" في منصة الاحتفال بحرب السادس من أكتوبر، لكنهم أبقوا على مبارك ليحل محله. ولو كانوا جادين ولا ينفذون مخططاً لقتلوا كل أركان السادات. ثم جاء دور الإخوان ليستغلوا في إشعال الفتنة في مصر، فأغروهم وسهلوا لهم الوصول للحكم، وهم مدركون أن نصف المصريين ضدهم، وأنهم ليسوا قادرين على حكم الدولة التي توالى عليها ثلاثة رؤساء غير إسلاميين، كما أن طبيعة الشعب المصري ترفض الحكم الديني. والهدف إشعال الفتنة على أساس ديني، كما هو حاصل الآن.
إن بروز دور الإخوان المتزامن مع ما يسمى الربيع العربي، يضع الجماعة داخل علامات سؤال عدة. فهم لم يفجروا الانتفاضات في الدول العربية، بل ركبوا موجتها التي يبدو أنها أعدت خصيصا لهم. فالبوعزيزي لم يكن من الجماعة، والذين خرجوا إلى ميدان التحرير في 25 يناير كانوا من الشباب والمواطنين العاديين، وكذلك الأمر في اليمن وليبيا.. ما عدا سوريا التي كانت بداية الحراك فيها من درعا، إخوانية في الغالب.
أمثال مرسي من الصف الثاني والثالث في الجماعة، المغرر بهم من قبل القيادة الإخوانية، استغلوا هم أيضاً في كل الدول العربية، من سوريا إلى تونس إلى الأردن إلى الكويت، وقبل ذلك في العراق.
والهدف كما تؤكد الأحداث، وآخرها إزاحة مرسي، إجهاض الشعور الديني لدى الشعوب العربية، وإظهار الإسلاميين بمظهر العدو الداخلي الذي تجب محاربته. لقد تم تسهيل وصولهم إلى الحكم، وتم الضغط على عدة دول عربية من أجل إعطاء الإخوان الحرية في أن ينشطوا، بدعوى الديمقراطية، لكن الهدف الحقيقي "تسمينهم لذبحهم" في عيد الفرح الإسرائيلي بما آلت إليه أحوال عدوهم من المحيط إلى الخليج.
ولو استخدمت إسرائيل كل أسلحتها النووية لما حصلت على ما تحصل عليه الآن من تمزيق وإضعاف للعرب.. إنه سلاح الفتنة الذي يجيد اليهود استخدامه على مدى تاريخهم.
من الأمثلة على سلاح الفتنة اليهودي في التاريخ المعاصر:
ـ إغواء السادات بالسلام، فشقوا الصف العربي وعزلوا مصر عدة سنوات.
ـ إغواء صدام باحتلال الكويت خلال لقائه السفيرة الأميركية آبريل غلاسبي، وأيضا شقوا الصف وعزلوا العراق.
ـ إغواء القذافي بامتلاك السلاح النووي وتضخيم الذات لديه، ثم إيصاله إلى نهاية بائسة.
ـ إغواء حماس بتسلم الحكم في أراضي السلطة الفلسطينية، ثم استغلالها لإحداث أول شرخ دموي في تاريخ الشعب الفلسطيني.
ـ إغواء إسلاميي السودان بالحكم، ثم تهديد رئيسهم بدارفور وباعتقاله أو دفع الثمن فالتخلي عن نصف السودان، وهذا ما حصل.
ـ إغواء الإخوان في الكويت والبحرين بالسلطة لإثارة شيعة الكويت وإحداث الفتنة، وهذا ما يحصل الآن.
.. والأمثلة كثيرة قوامها الدور المخفي الذي يقوم به الصهاينة ضد الأمة العربية، وللأسف أن الإخوان أمضى الأسلحة التي يستغلونها. والبعض يصب النفط والغاز على النار التي ستحرقه وتحرق الجميع!
مرة أخرى، تفشل خطة حرف مصر عن مكانها وتعكير صفو أمنها القومي بزوبعة "الإخوان"، الذين يستميتون منذ عقود في محاولات أخونة الدولة. وها هي سوريا الدولة والجغرافيا تنجو من مقصلة التقسيم، وها هو الوطن العربي يستعيد عافيته التي أضناها الخريف!