ثقافتنا المحلية هي جزء من الثقافة العربية والإسلامية، وهذه الثقافة تؤكد وتشير دوماً إلى تلك القيم الدينية والاجتماعية المشتركة التي تجمعنا وتبرز تلاحمنا. ثقافتنا المحلية تعلمنا أن ما نسمعه من مفاهيم عالمية معاصرة هي في الواقع جزء أساسي وأكيد في ثقافتنا المتوارثة عبر الزمن .
فمثلاً ما نسمعه عن حقوق الإنسان على الطريقة الغربية ليس بجديد علينا، وما نسمعه عن حماية البيئة هي في الواقع من عمق ثقافتنا وتراثنا البدوي الذي نشأنا عليه، وما نتعلمه من مبادئ التحضر والاتيكيت والتي نعتقد أننا استوردناها من الغرب هي في الواقع موجودة في ثقافتنا، بل وتعد من أهم مقومات تلك الثقافة ومشتقة من تراثنا ومخزوننا الحضاري وما نشأنا عليه وورثناه من آبائنا وأجدادنا. ثقافتنا العربية والإسلامية هي في الواقع مصدر إلهام حضاري لنا وللعالم أجمع لو أننا تبصرنا فيها وعرفنا كيف نشتق منها قيمنا المعاصرة ونوظفها لتحسين نمط حياتنا وصورتنا لدى الآخر.
في إحدى محاضرات مجتمع الإمارات التي تناقش مقومات الثقافة الإماراتية تطرقنا إلى قضية الثقافة التقليدية لأهل الإمارات والفرق بينها وبين الثقافات الجديدة والتي بدأت تتجذر في مجتمعنا هذه الأيام بل وتكاد تصبح جزءاً من صورتنا النمطية عند الآخر. ثقافتنا الاجتماعية التقليدية قامت على التكاتف الاجتماعي والتآزر بين الناس والتي كانت تسمى بالمسؤولية التضامنية وهي المسؤولة ليست فقط عن التكاتف في المناسبات الاجتماعية بل والتكاتف لتوفير الأمن والحماية المشتركة لجميع أفراد المجتمع.
مقومات ثقافتنا المشتركة كثيرة ومنها تلك المقومات الحضارية التي نشترك فيها جميعاً، والتي خلفت لنا ثقافتنا المشتركة المعاصرة. صفات جميلة يتميز بها مجتمعنا اليوم منها ثقافة احترام الآخر وهي إحدى الصفات الحميدة التي تميز بها مجتمعنا منذ القدم.
وهي التي تساهم اليوم في بلورة صورتنا لدى الآخر. صفات أخرى حميدة تميز بها مجتمعنا في الماضي، كما تميزت بها كل المجتمعات البدوية ألا وهي احترام البيئة، ثقافة الادخار، والتي هي عكس ثقافة الاستهلاك السائدة هذه الأيام، وصفات أخرى جميلة لو أنها لا تزال موجودة اليوم لساهمت في رفد صورتنا المعاصرة وعكست بكل دقة تلك المفاهيم الإسلامية الراقية التي صنعت ثقافتنا المحلية.
دراسة عميقة لمجتمعنا في الماضي تثبت أن هذا المجتمع البدوي الذي عاش على الكفاف تميز بمقومات حميدة عدة هي التي يجب أن تعكس صورته الحقة لدى الآخر وليست الصور الأخرى المتداولة عنا وعن العرب والمسلمين.
أحد أهم أسس ثقافتنا الاجتماعية هو احترام البيئة وهي بالنسبة لبدو الصحراء المعروفين بالتنقل من مكان لآخر قضية جوهرية أكد عليها الإسلام مراراً. فقد كانت الأوامر للجيوش العربية بعدم حرق أي شجرة أو تدمير أي منزل على عكس سياسة الأراضي المحروقة التي اتبعها الغرب في حروبه مع المسلمين وتتبعها الدول الغازية والمستعمرة اليوم؟
كانت أوامر حماية البيئة تنفذ حرصاً من الإسلام على حماية الطبيعة التي هي مصدر إلهام وعيش مشترك للجميع. وبما أن الإسلام كان هو مصدر إلهام لثقافتنا المحلية فيما يتعلق بالبيئة وحمايتها والحفاظ عليها، لذا استخدم أهلنا جميع الأنظمة التي تكفل الحفاظ على البيئة ومنها نظمهم البيئية.
فقد استخدم أهلنا في الماضي نظام "إعادة التدوير" ربما قبل أن يعرفه الآخرون بقرون طويلة ومارسوه كنظام يومي سواء لضيق ذات اليد أو كنظام بيئي مهم في سياق الثقافة المحلية.
قضية أخرى ربما تثير أسئلة كثيرة هذه الأيام ألا وهي قضية حقوق الإنسان، وتلك النظم والقواعد الجديدة التي تطبق بما يختص بحقوق العمال وحقوق المرأة والطفل والحقوق المدنية الأخرى للفرد التي نعتقد أننا استوردناها من الغرب ولكنها في الواقع جزء أساسي من ثقافتنا المحلية ومن الثقافة العربية والإسلامية.
فتلك المفاهيم الجديدة المتعلقة بالحقوق المدنية هي في الواقع جزء أساسي من تعاليم الإسلام وقد أكدت عليها جميع الممارسات البدوية المطبقة في مجتمعنا في الماضي ابتداءً من الشورى التي هي أساس الحكم القبلي ومروراً بحرية الرأي وانتهاءً بالحقوق المدنية البسيطة والتي تعد اليوم من أهم حقوق الفرد في عالمنا المعاصر.
من السمات المهمة التي تميز مجتمعنا اليوم هي ذلك التعايش السلمي الرائع الذي يسود مجتمعنا وهي صفة اشتقها مجتمعنا من تراثه العربي والإسلامي وبلورها على مر الزمن على الرغم من كل ظروف البيئة وقسوة الحياة التي عاشها إنسان هذه المنطقة. فعلى الرغم من ذلك التنافس الكبير في الماضي على مصادر العيش البسيط وخاصة مصائد اللؤلؤ والتجارة إلا أن تعاليم ثقافتنا كانت أقوى.
فقد علمتنا ثقافتنا المحلية كيف نتعاون فيما يخص الملكية العامة أو الجماعية للموارد والذي يتجلى في مفهوم "الديرة" (وهي مجموعة الحقوق التقليدية المرعية في الأرض والكلأ والماء وغيره)، وأنها ملك عام للجميع. من هذه المفاهيم تعلمنا كيف نتعايش مع الآخر دون أي ضغينة أو حقد وأن نعمل يداً بيد للارتقاء بحياتنا.
إن ثقافتنا المحلية هي رصيد حضاري قوي لنا يجب الاعتزاز والفخر به والعمل على صيانته كذخر وسند للأجيال القادمة. فما سوف ينفع الجيل القادم ليس فقط الإرث المادي الذي سوف نتركه لهم، بل الأهم هو الإرث الحضاري والقيمي.