يواجه العراق قضايا خطيرة تجذرت عميقاً في بنيته لأنها لم تعالج بطرائق تأخذ بعين الاعتبار مصلحة البلد حاضراً ومستقبلاً من جهة، ولأن من تداولها لا يتمتع بما يكفي من المؤهلات للتعامل معها من جهة أخرى. العراق بلد فيه الكثير جداً من التعقيد ورث ما لا يحصى من المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعد أن مر بتجارب قاسية خاض فيها حربين عبثيتين أعقبتهما فترة حصار طويل ظالم تبعته حرب ثالثة فقد فيها سيادته وأصبح بلداً محتلاً استُبيحت حرماته من قبل من يحسبهم البعض أبناءه قبل أن تستباح من قبل المحتل.
ولو اقتصرت القضايا على ذلك لهان الخطب رغم فداحته أملاً في إعادة البناء مستنيرين بقسوة التجارب التي مرت، حيث استجدت في ساحاته قضايا أكثر خطورة، أبرزها تراجع دور الهوية الوطنية وأهميتها والاحتراب الداخلي الذي يبدو في الظاهر بين أبنائه المنقسمين إلى طائفتين تعيشان في خندقين منفصلين مع أنه في الحقيقة غير ذلك.
فقد عادت عمليات القتل على الهوية المذهبية بأشد مما كانت عليه عام 2007 يصاحبها عمليات تطهير مذهبي في بعض المحافظات تمهيداً لعملية قد تكون تحصيل حاصل تنتهي بتجزئة العراق إن لم يتحرك المواطن العراقي بقوة لقبر هذه العملية.
في هذا السياق تقدم نائب رئيس الجمهورية خضير الخزاعي بمبادرة أطلق عليها "ميثاق شرف" تتكون من إحدى عشرة مادة يتعهد الموقعون عليها بتحريم الدم العراقي. وهي آخر المحاولات البائسة التي تستعرضها النخب السياسية أمام المواطن لتبيان حرصها على دمائه!. ولسنا بصدد الدخول في تفاصيل هذا الميثاق لأنه لا يحتوي على ما هو جديد.
وقد تغيب عن حفل التوقيع قادة ثلاث كتل سياسية مهمة، الصدر وعلاوي والمطلك. هذا الميثاق لن يُغيّر شيئاً من واقع الحال، فتوقيعه لا يعدو أن يكون مادة إعلامية في سياق التهيئة للانتخابات النيابية القادمة.
فقد شهدنا في الماضي توقيعات أبلغ منها، شهدنا المصافحات الحارة والعناق والتقبيل بين الفرقاء أمام وسائل الإعلام. ميثاق الشرف هذا لم يمنع سلسلة أعمال إجرامية حدثت مباشرة عقب توقيعه شهدتها سامراء ومدينة الصدر والدورة وحي أور وكركوك والأعظمية مع تسارع واتساع في عمليات الاغتيال في مدن كثيرة.
العنف في العراق مستمر على مدى السنوات العشر المنصرمة إلا أن حدته تتضاعف عادة في بعض المواسم حين يصبح صانعاً لأحداث سياسية كبيرة ومفصلية. ومع أن جهات عديدة لها مصلحة في عدم استقرار الوضع في العراق ويهمها أن يبقى هذا البلد كسيحاً معاقاً، إلا أن الراصد للوضع العراقي لا يفوته ملاحظة أن العمليات الإرهابية التي تستهدف الأطراف جميعاً دون تمييز تتصاعد حدتها كلما اقترب موعد الانتخابات النيابية، وليس من خطل الرأي اعتبار ذلك جزءاً من الأجندة الخفية في الانتخابات.
فمن أجل الحفاظ على الأطر البائسة التي تحكم العملية السياسية لا بد من صنع أجواء تجري فيها إعداد وتهيئة المواطن ليتحشد ليس خلف أجندة تنموية تخصه وتخص كل العراقيين ولكن خلف أجندة مذهبية تكرس بقاء من هو في الحكم.
ما يجري في العراق إرهاب بكل معنى الكلمة ولكن طالما كان هدفه تحقيق غايات سياسية فليس من الحصافة أن تستبعد بعض الكتل السياسية عن المسؤولية في تسهيل حصوله أو التستر على الضالعين فيه طالما يصب في مصلحتها في نهاية المطاف. الإرهاب في العراق لا تقف وراءه تنظيمات صغيرة مطاردة تفتقر إلى القدرات الاستخبارية والتقنية والفنية، ولا يقف خلفه أفراد أدعياء ينادون علناً بأنهم فعلوا كذا وأنهم سيفعلون كذا.
فهو على درجة من الإتقان والبراعة مما يحدونا للقول بأنه نابع عن دراسة متأنية لعقلية المواطن العراقي وسيكولوجيته، قدرات كهذه لا تتوافر سوى لدى دول لا يهمها ما يسفح من دماء عراقية من هذا الخندق أو ذاك طالما كان المبدأ الميكافيلي "الغاية تبرر الوسيلة" ديدناً تعتمده في السر.
ومع قرب الانتخابات النيابية من حق المواطن العراقي أن يتساءل عما قدمته النخب السياسية التي منحها ثقته وأتى بها إلى المسرح السياسي الذي تسيدته منذ عشر سنوات.
صحيح أن الجميع يتحمل المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع في العراق بشكل مباشر أو غير مباشر، إلا أن التحالف الحاكم هو من يتحمل القسط الأوفر منها. فقد سجل هذا التحالف فشلاً ذريعاً في قيادة العراق إلا أنه لا يمتلك من الشجاعة ما يكفي للاعتراف بذلك وترك الساحة لمن هو أكثر أهلية منه. فالعراقيون تحصد أرواحهم وتسلب أموالهم ولا يجدون أمامهم سوى الاعتماد على أنفسهم للحفاظ على حياتهم.
فعلى المستوى المعاشي رغم أن ميزانية عام 2013 تجاوزت المئة مليار دولار لا يزال ربع الشعب العراقي يعيش تحت خط الفقر ولا يزال الفساد مستشرياً في معظم مرافق الدولة ويتركز لدى المرافق العليا منها، ولا تزال الخدمات متردية والأمن مفقوداً، والأبلغ من كل ذلك هو أن الإرادة السياسية للعراق لا تزال مرتهنة للأجنبي.
واقع العراق المحبط لا يعالج بتكريس ما هو قائم وإنما بالتغيير، فالمفتاح للعقد الكثيرة في العراق يكمن في يد المواطن العراقي نفسه في حرصه على البقاء حراً بعيداً عن التبعية لأهواء السياسيين الذين تجذروا عميقاً في الحياة السياسية في العراق وأصبحوا جزءاً من الماكنة التي تعيق استعادة العراق لعافيته.
المواطن العراقي هو ضحية الفساد والفشل وسوء الإدارة وعدم النزاهة وانعدام الكفاءه وغياب الانتماء للوطن، ضحية للسياسات المنتهجة التي تراعي المصالح الضيقة للكتل السياسية ولا تخفي محاباتها للأجنبي. ما يجري في المدن العراقية هو استهداف لهذا المواطن من جديد وإبقاء إرادته أسيرة لدى هذه الكتلة أو تلك.
فالإرهاب المنظم والمحسوبة أدواره ونتائجه يوظف في صناعة الأجواء الفكرية والسياسية والاجتماعية ليصبح المواطن، ضحية الفساد، صانعاً لهذا الفساد عبر زجه في مسلسل الاصطفاف المذهبي الذي تتصاعد حدته مع قرب الانتخابات النيابية.