من سمات جولة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية المتفاعلة منذ يوليو الماضي كثرة الشكاوى من الطرفين. وبالنظر الى ديمومة السلوك الاسرائيلي الاستفزازي.
فقد كان الفلسطينيون الأسرع الى الشكوى، حين عبروا فور انعقاد أولى جلسات الجولة عن غضبهم من تكثيف وتيرة الاستيطان الاسرائيلي، بما يكفي للزعم بـأن الاسرائيليين انما يتخذون من التفاوض غطاء لاستكمال مخططاتهم التوسعية ؛ لاسيما في رحاب الحرم القدسي ومحيطه الجغرافي . اشتكى الفلسطينيون أيضا من الاقتحامات الاسرائيلية المسلحة للأراضي الخاضعة لسلطتهم والقيام بحملات للقتل والاعتقال .
وهي تصرفات لا توحي بحسن النيات وتمعن في احراج المفاوض الفلسطيني أمام شعبه والقوى والفصائل الرافضة لاستئناف التفاوض في ظل الظروف الراهنة . وبالمناسبة ، ثمة فرصة للاعتقاد بأن اسرائيل قد اعتقلت من الفلسطينيين واختطفت عددا يفوق الذين أطلقت سراحهم ضمن تمهيد أجواء التفاوض الراهن.. وانها مازالت تمارس سياسة الباب الدوار ازاء قضية الأسرى، فهي لا تفرج عن مجموعة منهم حتى تتبع ذلك باعتقال مجموعة أخرى وهكذا..
وضمن فيض شكاواهم أظهر الفلسطينيون المرارة من ضآلة دور الوسطاء والأطراف الثالثة ، بمن فيهم الراعي الأميركي ؛ الذي حرمه الاسرائيليون من المتابعة المباشرة لما يجري في غرف التفاوض المغلقة.
سيقول البعض بأننا ازاء تقاليد صارت أقرب الى التقادم في هذا السياق، باعتبار أن اسرائيل لم تتخل على مدار عقدي عملية التسوية الماضيين عن سياساتها العدوانية، التي أدمن الفلسطينيون الشكوى منها. وهذا صحيح تماما. و ربما كان من الصحيح أيضا ، وهذه من المفارقات اللافتة .
أن المفاوض الفلسطيني دأب في ردود أفعاله مقابل هذه السياسات على التمنع وقطع المسيرة التفاوضية، ثم العودة للانخراط فيها بعد عمليات لا تعدو الطبطبة وتهدئة الخواطر. لكن ربما كان الجديد والطريف في هذه المرة ، هي الرغبة الاسرائيلية في حرمان الشريك الفلسطيني من الانفراد بالشكوى.
ومن ذلك أن اسحق مولخو، أحد أهم أعضاء طاقم التفاوض الاسرائيلي، صعب عليه بقاء الفلسطينيين وحدهم في دائرة الشاكين الباكين، فقرر أن يزاحمهم هناك بأن رفع رسالة يشكوهم فيها الى الوسيط الأميركي بأنهم "..يخرقون التفاهمات التمهيدية، التي تقضي بالتكتم على مضمون المفاوضات، وحتى مكان انعقادها. وأنهم يدعون في تسريباتهم أن المفاوضات عقيمة وتراوح في مكانها..".
طرافة هذه الشكوى تتأتى من تعلقها بموضوعة واسعة الشهرة ؛ يعرفها كل من يعنيهم ، أو حتي لا يعنيهم ، مسار هذه المفاوضات . فالعقم الذي تعاني منه الجولة الجارية ، لا يحتاج الي تسريب أو تشخيص حصري من لدن الشريك الفلسطيني، فحتي لو التزم الفلسطينيون بالصمت وكظموا غيظهم من المراوغات الاسرائيلية، فان الحال يغني عن السؤال، اذ لو كان لهذه الجولة من ثمار وبشارات، لما خفي ذلك عن الخلق، بل ولما وجد الاسرائيليون في أنفسهم حرجا من الاعلان عن ذلك.
الأمر وما فيه أن المفاوض الاسرائيلي يمعن في التضييق علي نظيره الفلسطيني اعتصارا وضغطا وعربدة، وهو يريد أن يفعل ذلك كله ومثله في نطاق من السرية والكتمان. الأمر أيضا أن السرية التفاوضية غالبا ما تكون نذير شؤم علي الطرف الأضعف من حيث موازين القوة الشاملة. هذا ما يعلمنا اياه فقه التفاوض.
الي ذلك، فلنتأمل في نوعية المنغصات التي يشكوا منها الطرفان . الشكوى الاسرائيلية تكاد تثير السخرية والحنق لفرط شكليتها ومحاولتها افتعال قضية سخيفة، بينما تدور شكوي الفلسطينيين حول ما يوجب الاهتمام والجدية. ان استمرار المفاوضات تحت سيف التجاوزات الاسرائيلية موضع الأذى والشكوى ، ينطوي علي تحويل المفاوض الفلسطيني حقا وصدقا الى عراب يغطي سوأة استقطاع المزيد من حقوق شعبه.
ولأن هذا المفاوض معني بالنأي عن هذه المظنة، فان شكواه تمثل أحد أهم أدوات تبرئة الذات من شبهة السذاجة أو التواطؤ عى هذه الحقوق. ولمن يجادل بأن المفاوض الفلسطيني يمكنه اللجوء الى الانسحاب من هذه الجولة التفاوضية برمتها، ندفع بأن هذه الوصفة تبدو يسيرة التطبيق نظريا، لكنها قد تكون مكلفة جدا ومحفوفة بالمحاذير من الناحية العملية . ولعل الدأب الفلسطيني على الشكوى، من المقدمات المنطقية المطلوبة لتسويغ الانسحاب لاحقا بأقل قدر من الخسائر والتبعات.
والأرجح أن امتعاض الاسرائيليين من تكرارية الشكوى الفلسطينية يعود الى تحسبهم من هذا التكتيك ،ورغبتهم في أن يأتي الانسحاب الفلسطيني، ان حدث، مفاجئا للمعنيين وبلا أسباب وأعذار معلومة ومفهومة. فحرد الفلسطينيين " المباغت "؛ الغير مشفوع بشهادة المتابعين والمراقبين علي ما جري، قد يوقعهم في المسائلة والاستنكار.
ويبرئ الاسرائيليين من عواقب صلفهم وتبجحهم وامتناعهم عن أداء ما عليهم من استحقاقات. الشاهد أن شكوي المفاوض الفلسطيني تبدو أقرب الي وسائل الدفاع واستحضار الشهود بأثر حالي ومستقبلي ، فيما هي عند الاسرائيليين محاولة للتذاكي وأداة للتشويش والشوشرة .